ذكر الشيخ المفيد في «الإرشاد» أنّ أبا بكر سئل عن الكلالة، فقال: أقُولُ فِيهَا بِرَأيِي؛ فَإنْ أصَبْتُ فَمِنَ اللهِ؛ وإنْ أخْطَأتُ فَمِنْ نَفْسِي ومِنَ الشَّيْطَانِ.
فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فقال: مَا أغْنَاهُ عَنِ الرّأيِ في هَذَا المَكَانِ! أ مَا عَلِمَ أنّ الكَلَالَةَ هُمُ الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنْ قِبَلِ الأبِ والامِّ؛ ومِنْ قِبَلِ الأبِ عَلَى انفِرَادِهِ؛ ومِنْ قِبَلِ الامِّ أيْضاً عَلَى حِدَتِهَا (في النسخة البدل: انفرادها)؟!
قَالَ اللهُ عزّ وجلّ: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ[1]؛ وقَالَ عَزَّ قَائِلًا: وإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ولَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ.[2]
ولذلك نرى أنّ الله تعالى ورّث الكلالة التي تشمل الاخت من الأب والامّ، والاخت من الأب، في الآية الاولى نصف ما ترك الميّت. وقرّر لها في الآية الثانية التي تخصّ الأخ أو الاخت من الامّ السُّدس أو الثلث في فرض الانفراد أو الاجتماع.
فعلى هذا يلاحظ للكلالة في القرآن معنى معيّن. فهو يطلق أوّلًا على الأخوات والإخوة من الأب والامّ، وثانياً عليهم من الأب، وثالثاً عليهم من الامّ. وهذا الحكم منصوص عليه في القرآن لهذا الموضوع. ويستعمل الرأي في المواضع التي ليس فيها نصّ. ولذلك قال عليه السلام: ما أغناه عن الرأي في هذا المكان! وهذه المسألة ليست مسألة نظريّة، فتحتاج إلى الرأي. وإنّما هي مسألة لغويّة، بيّنت الآية القرآنيّة حكمها بصراحة.
وذكر الملّا عليّ المتّقي في «كنز العمّال» روايات جاء فيها أنّ أبا بكر وعمر لم يعرفا معنى الكلالة، منها: روى عن الشعبيّ مثل صدر الرواية التي نقلناها عن «الإرشاد» للمفيد، وفيها أنّ أبا بكر قال: لا أعلم، وبعد ذلك أضاف جملة قالها أبو بكر، ونصّها: أرَاهُ مَا خَلَا الوَالِدِ والوَلَدِ.
ولمّا استخلف عمر، قال الكَلَالَةُ مَا عَدَا الوَلَد. وفي لفظ آخر: مَن لَا وَلَدَ لَهُ. فلمّا طعن (بخنجر أبي لؤلؤة)، قال: إنّي أستحي من الله أن اخالف أبا بكر. أرى أنّ الكلالة هم ما عدا الوالد والولد.[3]
وكذلك روى الملّا عليّ المتّقي عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كيف يورث الكلالة. فقال صلى الله عليه وآله: أ ولَيْسَ قَدْ بَيَّنَ اللهُ ذَلِكَ؟ ثمّ قرأ الآية الكريمة: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ... إلى آخر الآية.
فكأنّ عمر لم يفهم، فقال لحفصة: إذا رأيتِ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) طيب نفس فاسأليه عنها! (ولمّا سألته حفصة)، قال: أبوكِ ذكر لك هذا! مَا أرَى أبَاكِ يَعْلَمُهَا أبَداً.
فكان عمر يقول: مَا أرَانِي أعْلَمُهَا أبَداً وقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ مَا قَالَ.[4]
وروى مسلم وأحمد وابن ماجة والبيهقيّ والطبريّ والقرطبيّ جميعاً عن معدان بن أبي طلحة اليعمريّ أنّه قال: إنّ عمر بن الخطّاب خطب يوم جمعة، وذكر نبيّ الله صلى الله عليه وآله، وذكر أبا بكر، ثمّ قال: إنّي لا أدع بعدي شيئاً أهمّ عندي من الكلالة. و ما راجعت رسول الله في شيء ما راجعته في الكلالة. وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: يَا عُمَرُ! أ لَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ التي في آخِرِ سُورَةِ النّسَاءِ؟[5]
وقال عمر: وإنّي إن أعش أقض فيها بقضيّة يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن.[6]
قال السيوطيّ: قال مسروق: سألت عمر بن الخطّاب عن ذي قرابة لي ورث كلالة: فقال الكَلَالَة، الكَلَالَة، وأخذ بلحيته، ثمّ قال: والله لأن أعلمها أحبّ إليّ من أن يكون لي ما على الأرض من شيء. سألت عنها رسول الله صلى الله عليه و آله، فقال: أ لم تسمع الآية التي انزلت في الصيف؟ فأعادها ثلاث مرّات.
وروى الحاكم في «المستدرك» عن محمّد بن طلحة، عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: لأنْ أكُونَ سَألْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ عَنْ ثَلَاثٍ أحَبُّ إلَيّ مِنْ حُمْرِ النّعَمِ: مَنِ الخَلِيفَةُ بَعْدَهُ؟ وعَن قَوْمٍ قَالُوا: نُقِرّ بِالزَّكَاةِ في أمْوَالِنَا ولَا نُؤَدِّيهَا إلَيْكَ، أ يَحِلُّ قِتَالُهُمْ؟ وعَنِ الكَلَالَةِ.[7]
وكذلك روى ضمن رواية عن حذيفة بن اليمان قال: لمّا نزلت الآية: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، علّمها رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفة، وعلّمها حذيفة عمر، ثمّ سأل عمر حذيفة عنها، فقال: واللهِ إنّكَ لأحْمَقُ إن كُنْتُ ظَنَنْتُ إنّهُ لَقَّانِيهَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ فَلَقَّنْتُكمْ كَمَا لَقَّانِيهَا رَسُولُ اللهِ! واللهِ لَا أزيدُكَ عَلَيْهَا شَيْئاً أبَدَاً.
[1] الآية 176، من السورة 4: النساء.
[2] الآية 12، من السورة 4: النساء.
[3] «كنز العمّال» ج 11، ص 75 و76، الحديث 323، كتاب الفرائض، طبعة حيدرآباد، سنة 1346، رواه عن سعيد بن منصور في سننه، وعن عبد الرزّاق في جامعه، وعن ابن أبي شيبة، وعن الدارميّ، وعن ابن جرير، وعن ابن المنذر، وعن البيهقيّ في سننه. وروي البيهقيّ في سننه صدر هذه الرواية التي تتعلّق بأبي بكر في ج 6، ص 223، وروي ذيلها الخاصّ بعمر في ص 224 عن الشعبيّ؛ وذكر الدارميّ صدرها في سننه، ج 3، ص 365.
[4] رواه في «كنز العمّال» ج 11، ص 73 و74، الحديث 320 عن ابن راهويه، وابن مردويه، وقال: هذا حديث صحيح؛ وتفسير «الدرّ المنثور» ج 2، ص 249؛ وذكره الفضل بن شاذان في إيضاحه، ص 325.
[5] تسمّى آية الكلالة: آية الصيف، لأنّها نزلت في حجّة الوداع التي صادفت في فصل الصيف، وهي الآية 176، من السورة 4: النساء: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
[6] «صحيح مسلم» ج 3، ص 1236، الحديث 9، كتاب الفرائض، طبعة دار إحياء التراث العربيّ، وتعليقة محمّد فؤاد عبد الباقي؛ و«سنن ابن ماجه» نفس الطبعة والتعليقة، ج 2، ص 910، باب الكلالة، الحديث رقم 2726؛ والبيهقيّ في سننه، ج 6، ص 224، وأضاف في ذيله أنّ عمر قال: وهو ما خلا الأب كذا احتسب؛ و«مسند أحمد بن حنبل» ج 1، ص 48؛ و«تفسير القرطبيّ» ج 6، ص 29، طبعة دار الكاتب العربيّ سنة 1387 ه؛ و«تفسير الطبريّ» ج 6، ص 43، طبعة مصطفى البابي، سنة 1373.
[7] «المستدرك» ج 2، ص 303؛ والدرّ المنثور» ج 2، ص 249؛ و«تفسير ابن كثير» ج 2، ص 464، طبعة دار الفكر؛ و«تفسير القرطبيّ» ج 6، ص 29.