قال ابن شهرآشوب: سأل رجل أبا بكر عن رجل تزوّج بامرأة عند الصبح، فولدت عشيّة، فحاز ميراثه الابن والامّ، فلم يعرف.
فقال عليّ عليه السلام: هَذَا رَجُلٌ لَهُ جَارِيةٌ حُبْلَى مِنْهُ فَلَمَّا تَمَخَّضَت مَاتَ الرّجُلُ.[1]
والمراد أنّ هذا الرجل كانت له جارية، حملت منه، ثمّ أعتقها، وبعد ذلك تزوّجها صباحاً، فولدت عشيّة، ثمّ مات الرجل، فورثته المرأة والولد.
يقول الفضل بن شاذان في احتجاجاته على العامّة: رويتم عن عبد الأعلى، عن سعيد بن قتادة أنّ عمر بن الخطّاب خطب للناس، فقال: ألا لا أعلم رجلًا تزوّج على أكثر من أربعمائة درهم، إلّا أنهكته عقوبةً!
قال ابن قتادة: فأتته امرأة، فقالت: مَا لَنَا ولَكَ يَا عُمَرُ؟ قَوْلُ اللهِ أعْدَلُ مِنْ قَوْلِكَ وأوْلَى أنْ يُتَّبَعَ، فقال عمر: ما قال الله تعالى؟! قالت: قال الله عزّ وجلّ: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وإِثْماً مُبِيناً ، وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً.[2]
ثمّ قالت المرأة لعمر: القنطار بمقدار دية الإنسان،[3] وهو أكثر من أربعمائة درهم فقال عمر: كُلُّ أحَدٍ أفْقَهُ مِنْ عُمَرَ.
ثمّ عاد إلى المنبر، فخطب، فقال: أيُّهَا النّاسُ! إنّي كُنْتُ نَهَيْتُ أنْ يَتَزَوَّجَ الرّجُلُ عَلَى أكْثَرَ مِنْ أرْبَعمائَةِ دِرْهَمٍ وإنّ امْرَأةً أفْقَهُ مِنْ عُمَرَ جَاءَتَنِي فَحَاجَّتْني بِكِتَابِ اللهِ فَحَجَّتْ وفَلَجَتْ؛ وإنّ المَهْرَ مَا تَرَاضَى بِهِ المُسْلِمُونَ.[4]
ونقل استاذنا الكريم العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه عن تفسير «الدرّ المنثور» أنّ السيوطيّ حكاه عن عبد الرزّاق، وابن المنذر عن عبد الرحمن السُّلَميّ، وأيضاً عن سعيد بن منصور، وأبي يعلى بسند جيّد عن مَسْرُوق، وكذلك عن سعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن بكر بن عبد الله المُزْنيّ.[5] وروى عن الزبير بن بكّار في «الموفّقيّات» عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر: لَا يَزِيدُوا في مُهُورِ النّسَاءِ عَلَى أرْبَعِينَ اوقِيَّة فَمَنْ زَادَ ألْقَيْتُ الزيَادَةَ في بَيْتِ المَالِ الرواية.[6]
وذكر العلّامة الأمينيّ هذه القصّة بتسع صور نقلًا عن المصادر التأريخيّة المهمّة، ومشايخ الحديث والتفسير. وجاء في بعضها أنّ عمر قال: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين اوقيّة، وإن كانت بنت ذي الفضّة، يعني يزيد بن الحصين الحارثيّ[7] فقامت امرأة من صفّ النساء طويلة في أنفها فَطَس، فقالت: ما ذاك لك. فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.
وورد في بعضها أنّ عمر قال: كُلُّ أحَدٍ أفْقَهُ مِنْ عُمَرَ. وكرّرها مرّتين أو ثلاثاً.
وجاء في بعضها أنّه قال لأصحابه بعد هذا الكلام: تَسْمَعُونَنِي أقُولُ مِثْلَ القَوْلِ فَلَا تُنْكِرُونَهُ عَلَيّ حتى تَرُدَّ عَلَيّ امْرَأةٌ لَيْسَتْ مِنْ أعْلَمِ النّسَاءِ!
وقال عمر في بعضها: إنّ امْرَأةً خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصَمَتْهُ.
وفي بعضها: كُلُّ أحَدٍ أعْلَمُ مِنْ عُمَرَ. وفي بعضها: وكُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِنْ عُمَرَ.[8]
وفي بعضها: كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حتى رَبَّاتِ الحِجَالِ؛ ألَا تَعْجَبُونَ مِنْ إمَامٍ أخْطَأ وامْرَأةٍ أصَابَتْ؛ فَاضَلَتْ إمَامَكُمْ فَنَضَلَتْهُ!
وفي بعضها: كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حتى المُخَدَّراتِ في البُيُوتِ.
جمع الحاكم النيسابوريّ طرق هذه الرواية لعمر في جزء كبير كما قاله في مستدركه، ج 2، ص 177، وقال: تواترت الأسانيد الصحيحة بصحّة خطبة عمر بن الخطّاب بذلك. وأقرّه الذهبيّ في «تلخيص المستدرك». وأخرجه الخطيب البغداديّ في تاريخه ج 3، ص 257 بعدّة طرق، وصحّحها.[9]
[1] «المناقب» ج 1، ص 489، الطبعة الحجريّة.
[2] الآيتان 20 و21، من السورة 4: النساء.
[3] دية الرجل المسلم ألف دينار ذهب، أو عشرة آلاف درهم فضّة، أو مائة بعير، أو مائتي بقرة، أو ألف نعجة.
[4] «الإيضاح» للفضل بن شاذان بتعليق السيّد جلال الدين الارمويّ الحسينيّ المحدّث، ص194 و195. وكان الفضل بن شاذان الأزديّ النيسابوريّ من أعاظم الأصحاب ومشايخ الطائفة الشيعيّة الاثني عشريّة الحقّة المحقّة. أزديّ الأصل، نيسابوريّ الموطن. توفّي سنة 260 ه. وكانت له جلالة وشأن عظيم حتى قال فيه الإمام أبو محمّد الحسن العسكريّ عليه السلام: أغبِطُ أهْلَ خُرَاسَانَ بِمكَانِ الفَضْلِ بْنِ شَاذَان وكَوْنِهِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وكتابه «الإيضاح» من أنفس الكتب والذخائر العلميّة للشيعة.
[5] تفسير «الميزان» ج 4، ص 277؛ وتفسير «الدرّ المنثور» ج 2، ص 133.
[6] نفس المصدر.
[7] هكذا جاء في «الغدير» ج 6، ص 96. ولكنّ العلّامة الشيخ محمّد تقي الشوشتريّ ذكر في كتاب «قضاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام» ص 295 أنّها بنت ذي الغصّة. وأضاف: لأنّ ذا الغصّة كان رئيساً لبني حارس مائة سنة، واسمه الحصين بن يزيد، لا يزيد بن الحصين.
[8] روى السيّد ابن طاووس في «الطرائف» ص 471 عن الحميديّ في كتاب «الجمع بين الصحيحين» قال إنّ عمر بن الخطّاب أمر على المنبر أن لا يزاد في مهور النساء على قدرٍ ذكره؛ فذكّرته امرأة من جانب المسجد بقول الله تعالى: «وَ إِنْ أَرَدْتُمْ»* الآية، فقال: كلّ الناس أفقه من عمر حتى النساء. وذكره الزمخشريّ في كشّافه بهذا اللفظ: قام عمر خطيباً فقال: أيّها الناس! لا تغلوا بصداق النساء؛ فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وآله ما صداق امرأة أكثر من اثني عشر اوقيّة. فقامت إليه امرأة فقالت له: يا أمير المؤمنين! لِمَ تمنعنا حقّاً جعله الله لنا! والله يقول: وءَاتَيْتُمْ إحداهُنّ قِنطاراً فقال عمر: كلّ أحد أعلم من عمر ثمّ قال لأصحابه: تسمعونني أقول مثل هذا القول فلا تنكرونه عَلَيّ حتى تردّ عَلَيّ امرأة ليست من أعلم النساء.
[9] «الغدير» ج 6، ص 95 إلى 99، رقم 5، باب نوادر الأثر في علم عمر. هذا البحث متواصل لثبوت هذه القضيّة بين الشيعة والعامّة منذ القديم إلى يومنا هذا. وذكر في كتب الحديث والكلام بخاصّة في بحث الإمامة. وعدّ المرحوم العلّامة المجلسيّ ذلك الطعنَ السادس من مطاعن عمر، وذلك في الجزء الثامن من «بحار الأنوار» طبعة الكمبانيّ، ص 294، وخاض في هذا البحث. وذكر أقوال كثير من علماء العامّة كالفخر الرازيّ، وابن أبي الحديد. وكذلك ورد بحث تامّ في كتاب «تشييد المطاعن» ص 700 إلى 814.