قال الفضل بن شاذان في احتجاجه على العامّة أيضاً: ورويتم أنّه اوتيَ بقُدَامَة بن مَظْعُون،[1] وقد شرب الخمر، فأمر عمر بجلده، فقال له قدامة: يا أمير المؤمنين! ليس عَلَيّ جلد. إنّما أنا من أهل هذه الآية: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأَحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.[2]
فأراد عمر تركه، فقال عليّ عليه السلام: إنّ أهل هذه الآية لا يأكلون ولا يشربون إلّا ما أحلّ الله لهم؛ وهم إخواننا الماضون.
فإن أقام على أنّها حلال، فاقتله. وإن أقرّ أنّها حرام، فاجلده.
قال عمر: وكم جلدةً؟! قال عليّ عليه السلام: إنّ الشارب إذا شرب، سكر. وإذا سكر هذي. وإذا هذي افترى. فاجلده حَدَّ المُفْتَرِي! قال: فجُلد ثمانين جلدة.[3]
وقال الشيخ المفيد في «الإرشاد»، وابن شهرآشوب في «المناقب»: نقل العامّة والخاصّة شرب قدامة بن مظعون الخمر، واستدلاله بالآية الكريمة: نَفي الجُنَاح، وتبرئة عمر إيّاه. وقالوا: لمّا بلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام، مشى إلى عمر، فقال له: لِمَ تركت إقامة الحدّ على قُدامة في شرب الخمر؟! فقال: إنّه تلا عَلَيّ الآية، وتلاها عمر.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لَيْسَ قُدَامَةُ مِنْ أهْلِ هَذِهِ الآيةِ، ولَا مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ في ارْتِكَابِ مَا حَرّمَ اللهُ، إنّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا يَسْتَحِلُّونَ حَرَاماً. فاردد قُدامةَ، واستتبه ممّا قال! فإن تاب، فأقم عليه الحدّ. وإن لم يتب فاقتله! فقد خرج عن الملّة!
فاستيقظ عمر لذلك، وعرّف قدامة الخبر. فأظهر التوبة والإقلاع.
فأدرأ عمر عنه القتل. ولم يدر كيف يحدّه، فقال لأمير المؤمنين عليه السلام: أشِرْ عَلَيّ في حَدِّهِ.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: حدّه ثمانين. إنّ شارب الخمر إذا شربها سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى. فجلده عمر ثمانين، وصار إلى قوله في ذلك.[4]
وروى المجلسيّ هذه القضيّة في «بحار الأنوار» بنفس الألفاظ التي ذكرناها، وذلك عن «المناقب» لابن شهرآشوب و«بشارة المصطفي» للطبريّ، ثمّ رواها باختلاف يسير عن «الكافي» للكلينيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، عن الإمام الصادق عليه السلام.[5] وعدّ ذلك من مطاعن عمر، وجعلها الطعن التاسع من مطاعنه.[6]
[1] قُدامة بضمّ القاف وفتح الميم كثمامة. ومظعون على زنة مفعول صحابيّ معروف.
قال ابن الأثير في «اسد الغابة» ج 4، ص 198: قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمع القرشيّ الجمحيّ يكنّي أبا عَمرو أو أبا عُمر. هو أخو عثمان بن مظعون وخال حفصة وعبد الله ابني عمر بن الخطّاب. وزوجته صفيّة بنت الخطّاب. وهو من السابقين إلى الإسلام. هاجر إلى الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله ابنى مظعون. وشهد بدراً واحُداً وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. قاله عروة، وابن شهاب، وموسى، وابن إسحاق.
[2] الآية 93، من السورة 5: المائدة.
[3] «الإيضاح» ص 195 و196.
[4] «الإرشاد» ص 111 و112، الطبعة الحجريّة؛ و«المناقب» ج 1، ص 497، الطبعة الحجريّة.
[5] «بحار الأنوار» ج 9، ص 483، طبعة الكمبانيّ.
[6] «بحار الأنوار» ج 8، ص 296؛ ونقلها أيضاً ابن تيميّة في «منهاج السنّة»، ولكنّه ذكر أنّ المجيب هو عبد الله بن عبّاس. أقول: على فرض صدق ذلك، فإنّ عبد الله كان تلميذ أمير المؤمنين أيضاً. وكذلك ذكرها شاه ولى الله الدهلويّ في كتاب «قرّة العين»، والملّا عليّ المتّقي في كتاب «كنز العرفان في فقه القرآن». وروى العلّامة الكبير مير محمّد قلي والد العلّامة مير حامد حسين في كتاب «تشييد المطاعن» عن كتاب «تنبيه الغافلين» لأبي الليث، عن العطّار، عن السائب، عن عبد الرحمن السلميّ أنّ ثلاثة شربوا الخمر بالشام أيّام حكومة يزيد بن أبي سفيان، واستدلّوا على حلّيّته بهذه الآية. فكتب يزيد إلى عمر يسأله. وكتب إليه عمر أن يشخصهم إليه قبل أن يحدث شيء. ولمّا جيء بهم جمع أصحاب رسول الله وسألهم. فاختلفوا. فمنهم من قال له: اضرب أعناقهم. وكان أمير المؤمنين عليه السلام جالساً فسكت. فقال له عمر: لِمَ لا تتكلّم يا أبا الحسن؟ ما ذا تقول فيها! فقال الإمام: استتبهم! فإن تابوا، اجلدهم! وإن لم يتوبوا، اقتلهم! فعمل عمر بما أشار عليه الإمام عليه السلام.