من قضاء أمير المؤمنين عليه السلام: حكمه بأربعين ديناراً دية للجنين الذي كان علقة في بطن امّه.
ذكر الشيخ المفيد في «الإرشاد» أنّ رجلًا ضرب امرأة، فألقت علقة. فقضى أمير المؤمنين عليه السلام أنّ عليه ديتها أربعين ديناراً. وتلا قوله عزّ وجلّ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلنَٰهُ نُطفَة فِي قَرَار مَّكِين ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.[1]
ثمّ قال عليه السلام: في النطفة عشرون ديناراً؛ وفي العلقة أربعون ديناراً؛ وفي المضغة ستّون ديناراً؛ وفي العظم قبل أن يستوي خلقاً ثمانون ديناراً؛ وفي الصورة قبل أن تلجها الروح مائة دينار. فإذا ولجتها الروح كان فيها ألف دينار. (دية إنسان كامل).
وقال الشيخ المفيد بعد نقل هذا الحكم: فهذا طرف من قضايا أمير المؤمنين عليه السلام وأحكامه الغريبة التي لم يقض بها أحد قبله؛ ولا عرفها من العامّة والخاصّة أحد إلّا عنه. واتّفقت عترته على العمل بها؛ ولو مُني غيره بالقول فيها، لظهر عجزه عن الحقّ في ذلك كما ظهر فيما هو أوضح منه.[2]
ولعلّ مراد الشيخ المفيد من عمل عترة أمير المؤمنين عليه السلام بهذا النهج هو الروايات المأثورة عن الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين في دية الجنين خلال مراحله المختلفة إذ عيّنوها على هذا المنوال.
منها: رواية رواها الكلينيّ بسنده المتّصل عن سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن الحسين عليه السلام. وتعيّن فيها أنّ حدّ النطفة أربعون يوماً في الرحم، وحدّ العلقة ثمانون يوماً، وحدّ المضغة مائة وعشرون يوماً.[3]
ومنها رواية رواها الكلينيّ، والشيخ الطوسيّ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن الحسن بن موسى، عن محمّد بن الصباح، عن بعض أصحابنا، قال: أتى الربيع أبا جعفر المنصور وهو خليفة في الطواف فقال له: يا أمير المؤمنين! مات فلان مولاك البارحة، فقطع فلان مولاك رأسه بعد موته!
فاستشاط المنصور وغضب، قال: فقال لابن شِبْرَمة وابن أبي ليلى وعدّة معه من القضاة والفقهاء: ما تقولون في هذا؟! فكلٌّ قال: ما عندنا في هذا شيء! فجعل المنصور يردّد المسألة في هذا، ويقول: أقتله أم لا؟! فقالوا: ما عندنا في هذا شيء!
فقال له بعضهم: قد قدم رجل الساعة. فإن كان عند أحد شيء، فعنده الجواب في هذا، وهو جعفر بن محمّد؛ وقد دخل المَسعَى!
فقال المنصور للربيع: اذهب إليه فقل له: لو لا معرفتنا بشغل ما أنت فيه (السعي بين الصفا والمروة) لسألناك أن تأتينا، ولكن أجبنا في كذا وكذا! فأتاه الربيع، وهو على المروة، فأبلغه الرسالة.
فقال له أبو عبد الله عليه السلام: قد ترى شغل ما أنا فيه. وقبلك الفقهاء والعلماء فسلهم!
قال فقال له: قد سألهم المنصور ولم يكن عندهم فيه شيء!
فردّه الإمام عليه السلام إلى المنصور. فقال الربيع: أسألك إلّا أجبتنا فيه فليس عند القوم في هذا شيء!
فقال له أبو عبد الله عليه السلام: حتى أفرغ ممّا أنا فيه! ولمّا فرغ، جاء فجلس في جانب المسجد الحرام. فقال للربيع: اذهب فقل له: عليه مائة دينار! فأبلغه ذلك. فقال له: فسله كيف صار عليه مائة دينار؟
فقال أبو عبد الله عليه السلام: في النطفة عشرون. وفي العلقة عشرون، وفي المضغة عشرون، وفي العظم عشرون، وفي اللحم عشرون، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ. وهذا هو ميّت بمنزلته قبل أن ينفخ فيه الروح في بطن امّه جنيناً.
فرجع الربيع، فأخبره بالجواب، فأعجب الفقهاء ذلك، وقالوا للربيع: ارجع إليه فسله الدنانير لمن هي، لورثته أم لا؟!
فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليس لورثته فيها شيء، إنّما هذا شيء اتي إليه في بدنه بعد موته يُحَجُّ بها عنه، أو يُتَصَدَّقُ بها عنه، أو تصير في سبيل من سبل الخير.
قال الراوي: فزعم الرجل أنّهم ردّوا الرسول إليه، فأجاب فيها أبو عبد الله عليه السلام بستّ وثلاثين مسألة، ولم يحفظ الرجل إلّا قدر هذا الجواب.[4]
[1] الآيات 12 إلي 14، من السورة 23: المؤمنون.
[2] «الإرشاد» للشيخ المفيد، ص 124، الطبعة الحجريّة.
[3] «فروع الكافي» ج 7، ص 349، الحديث رقم 4، طبعة المطبعة الحيدريّة.
[4] «فروع الكافي» ج 7، ص 347 و348، الحديث رقم 1؛ و«تهذيب الأحكام» ج 10، ص 270 و271، الحديث رقم 1065، طبعة النجف، سنة 1382 ه.