من قضايا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: حكمه بإبقاء الحلي التي كانت قد جمعت في بيت الله، وكان عمر يقول، وكذلك قيل له: ما تصنع الكعبة بالحلي؟ لو تصرف في تجهيز الجيوش. فاستشار عمر الإمام، فمنعه من ذلك.
ذكر ذلك الشريف الرضي في حِكَم «نهج البلاغة» فقال: ورُوِي أنّهُ ذُكِرَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ حَلْيُ الكَعْبَةِ[1] وكَثْرَتُهُ؛ فَقَالَ قَوْمٌ: لَوْ أخَذْتَهُ فَجَهَّزْتَ بِهِ جُيُوشَ المُسْلِمِينَ كَانَ أعْظَمَ لِلأجْرِ؛ ومَا تَصْنَعُ الكَعْبَةُ بِالحَلْيِ؟! فَهَمَّ عُمَرُ بِذَلِكَ وسَألَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إنّ القُرآنَ انْزِلَ عَلَى النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ والأمْوَالُ أرْبَعَةٌ: أمْوَالُ المُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الوَرَثَةِ في الفَرَائِضِ؛ والفَيءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحَقِّيهِ؛ والخُمْسُ فَوَضَعَهُ اللهُ حَيْثُ وَضَعَهُ؛ والصَّدَقَاتُ فَجَعَلَها اللهُ حَيْثُ جَعَلَهَا.
وَكَانَ حَلْيُ الكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمِئِذٍ؛ فَتَرَكَهُ اللهُ عَلَى حَالِهِ؛ ولَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً، ولَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَكَاناً، فَأقِرّهُ حَيْثُ أقَرّهُ اللهُ ورَسُولُهُ!
فَقَالَ عُمَرُ: لَوْلَاكَ لَا فَتْضَحْنَا، وتَرَكَ الحَلْيَ بِحَالِهِ.[2]
وذكر ابن شهرآشوب عين هذا الموضوع في مناقبه.[3] كما ذكره بهذه الألفاظ المولى مير محمّد قلي الهنديّ النيسابوريّ والد المير حامد حسين الهنديّ في كتاب «تشييد المطاعن» عن الباب الخامس والسبعين من كتاب «ربيع الأبرار» للزمخشريّ.
وذكره أيضاً البخاريّ في صحيحه، في باب كِسْوَةُ الكَعْبَةِ من كتاب الحجّ، وكذلك في كتاب «الاعتصام»؛ ولكنّه لفرط نصبه العداء لأهل البيت، نسب ذلك إلى شيبة بن عثمان، وصرفه عن أمير المؤمنين عليه السلام.[4]
ونقله ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» وذكر بعده وجهين لتأييد مضمون الحديث وصحّة الاستدلال به.
أحدهما: أن يقال: أصل الأشياء الحظر والتحريم. فلا يجوز التصرّف في شيء من الأموال والمنافع إلّا بإذن شرعيّ. ولم يوجد إذن شرعيّ في حلي الكعبة فَبقينا فيه على حكم الأصل و هو الحظر والتحريم.
الوجه الثاني: أن يقال: حلي الكعبة مال مختصّ بالكعبة هو جار مجرى ستور الكعبة، ومجرى باب الكعبة. فكما لا يجوز التصرّف في ستور الكعبة وبابها إلّا بنصّ شرعيّ، فكذلك حلي الكعبة.
والجامع بينهما الاختصاص الجاعل كلّ واحد من ذلك كالجزء من الكعبة. فعلى هذا الوجه ينبغي أن يكون الاستدلال.[5]
وروى العلّامة الأمينيّ ثلاث روايات في هذا الموضوع في كتاب «الغدي» عن البخاريّ و«أخبار مكّة» للازرقيّ و«سنن أبي داود» و«سنن ابن ماجه» و«سنن البيهقيّ» و«فتوح البلدان» للبلاذريّ و«نهج البلاغة» و«الرياض النضرة» و«ربيع الأبرار» و«تيسير الوصول» و«فتح الباري» و«كنز العمّال».[6]
وروى جلال الدين السيوطيّ في كتاب «عَرْفُ الوَرْدِيّ في أخْبَارِ المَهْدِيِّ» عن أبي نعيم بن حمّاد أنّ عمر بن الخطّاب دخل الكعبة وقال: لا أدري والله هل أترك هذه الأموال والأسلحة على حالها أو أتصدّق بها في سبيل الله؟! فقال عليّ بن أبي طالب: أنت لست صاحب هذه الأموال! إنّما صاحبها فتى من قريش منّا بني هاشم يقسّمها آخر الزمان في سبيل الله.
[1] الحَلْي بفتح الحاء وسكون اللام، وجمعها حُلِيّ وحِلِيّ، وأيضاً حِلْيَة بكسر الحاء وسكون اللام، وجمعها حِليً وحُليً. وهي عبارة عن آلات الزينة المصنوعة من الذهب والفضّة أو من الأحجار الكريمة كالألماس والفيروز والياقوت وغيرها.
[2] «نهج البلاغة» ج 2، باب الحكم، الحكمة 270، وفي طبعة محمّد عبده بمصر، ص 201؛ و«غاية المرام» ص 534، الحديث 29، عن ابن أبي الحديد.
[3] «المناقب» ج 1، ص 498، الطبعة الحجريّة.
[4] «صحيح البخاريّ» ج 2، ص 149، كتاب الحجّ، طبعة بولاق، بمصر، وج 9، ص 92، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله.
[5] «شرح نهج البلاغة» بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 19، ص 158 و159، رقم 276.
[6] «الغدير» ج 6، ص 177 و178، الحديث 60.