ذكر الطبريّ في تاريخه ضمن وقائع أيّام قبّاد وعصر انوشيروان أنّ: تُبَّع وهو تُبَّانُ أسْعَد أبُو كَرِب[1] حين أقبل في حروبه من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وبدأ حربه عليها.
وحين وصل إليها كان جازماً على تخريبها وتدميرها، واستئصال أهلها. فجاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة وهما عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيّها الملك! لا تفعل! فإنّك إن أبيتَ إلّا ما تريد، حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة!
فقال تبّع لهما وهما كعب وأسد، وهما ابنا عمّ، وكانا أعلم أهل زمانهما: ولِمَ ذاك؟!
فقالا: هي مهاجر نبيّ يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره!
فتناهى عند ذلك من قولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما عِلماً، وأعجبه ما سمع منهما. فانصرف عن المدينة، وخرج بهما معه إلى اليمن، واتّبعهما على دينهما. لأنّه وقومه أصحاب أوثان يعبدونها.
ولمّا توجّه إلى اليمن، جعل طريقه على مكّة التي كانت منزلًا في الطريق. حتى إذا كان بالدُّف من جُمدان بين عسفان وأمَج، في طريقه بين مكّة والمدينة، أتاه نفر من هُذَيل، فقالوا له: أيّها الملك! ألا ندلّك على بيت مال داثر، قد أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد، والياقوت والذهب والفضّة؟!
قال: بلى! قالوا: بيت بمكّة يعبده أهله، ويصلّون عنده. وإنّما أراد الهُذَليُّون بذلك هلاكه لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده.
فلمّا أجمع لما قالوا، أرسل إلى الحبرين، فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القوم إلّا هلاكك وهلاك جندك! ولئن فعلت ما دعوك إليه، لتهلكنّ وليهلكنّ من معك جميعاً!
قال: فما ذا تأمرانني أن أصنع إذا قدمتُ عليه؟! قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله: تطوف به وتعظّمه وتكرّمه! وتحلق عنده رأسك، وتتذلّل له حتى تخرج من عنده.
قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟!
قالا: أما والله إنّه لبيت أبينا إبراهيم؛ وإنّه لكما أخبرناك؛ ولكنّ أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوا حوله؛ وبالدماء التي يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك.
فعرف نصحهما وصدق حديثهما، فقرّب النفر من هُذَيل، فقطّع أيديهم وأرجلهم، ثمّ مضى حتى قدم مكّة.[2]
وذكر ابن شهرآشوب أنّ المسترشد العبّاسيّ أخذ من مال الحائر وكربلاء والنجف! وقال: إنّ القبر لا يحتاج إلى الخزانة وأنفق على العسكر، فلمّا خرج، قُتل هو وابنه الراشد.[3]
وفي عصر قريب من عصرنا، حاول السلطان عبد الحميد العثمانيّ أن يأخذ حلي بيت الله التي كانت داخل الكعبة، ويستولي عليها. فاستفتى علماء العامّة. فلم يجيبوه جواباً صريحاً مراعاة للسلطان. فاستفتى المرجع الإماميّ الكبير الملّا محمّد كاظم الخراسانيّ رحمه الله، وهو المعروف بالآخُونْد، وكان أحد الأساتذة العظام في حوزة النجف الأشرف. فمنعه، وكتب إليه رسالة ذكر فيها بعض الأخبار الواردة في هذا الموضوع، فتراجع السلطان وانصرف عمّا عزم عليه.
ومن المؤسف حقّاً، بل من عظيم الأسف أنّ الوهّابيّين خذلهم الله جميعاً قد سلبوا الكعبة في عصرنا هذا ونهبوا منها نفائس الأموال والمجوهرات والأشياء القديمة والثمينة. ثمّ أغاروا منها على المدينة المنوّرة. ونهبوا كلّ ما كان داخل الروضة النبويّة المطهّرة وأطراف قبر الرسول الأعظم والسيّدة الصديقة فاطمة سلام الله عليها. وهي من الأشياء التي لا يُظْفَر بمثلها في العالم. وكان سلاطين العالم وحكّامه وامراؤه قد وضعوها هناك وأهدوها خلال ما يربو على ألف سنة. منها أربع ثُريّات من الزمرّد لا تقدّر بثمن، وأربعة صناديق من الذهب المزيّن بالمجوهرات والمرصّع بالياقوت والألماس. وهذه كانت تنير في الليلة الظلماء كالكوكب المتألّق. وكذلك نهبوا مائة سيف مقابضها من الزمرّد وقد كتب اسم صاحبها عليها، وأغمادها كلّها من الذهب الخالص المزيّن بالألماس.
أين أخذوا هذه الأشياء؟ وكيف صرفوها؟ هل أنفقوها في سبيل الإسلام وعظمته وكسر شوكة الكفر ومعالمه؟ أو بالعكس، حملوها جميعها لتكون في خزائن الدول الأجنبيّة والكفّار المعادين للإسلام مجّاناً عملًا بما تمليه عليهم العمالة والخدمة، فامتلأت خزائن الدول الكافرة بالذهب والأحجار الكريمة والنفائس والعتلائق بسبب هذه الغارات وغارات اخرى مماثلة لها، وافتقرت بلداننا بأسرها وخلت خزائنها، وجُرّدت من كلّ شيء.
وهذا هو سرّ استيلائهم على العالم. وليس السرّ في علمهم وثقافتهم. علماً أنّهم سرقوا العلم والثقافة منّا أيضاً. ولذلك إذا تركنا التعبير الناقص القاصر عن بلدانهم أنّها البلدان المتحضّرة المتقدّمة الكبرى، وقلنا إنّها البلدان الناهبة، وبلداننا هي البلدان المنهوبة، فقد وضعنا الكلام في موضعه.
قيل: إنّ الزعيم الهنديّ غاندي، عند ما سافر إلى لندن، ودخلها بهيئة خاصّة، قال: أنا أتعجّب إذ أرى الجزيرة الإنجليزيّة لم تغطس في الماء إلى الآن! فقيل له: وهل تغطس الجزيرة في الماء؟
قال: ولِمَ لا؟ فإنّ الحكومة الإنجليزيّة أتت بذهب الشعب الهنديّ إلى هنا، فأضحت الهند قطراً فقيراً جائعاً منكوباً، وهي من أكبر الأقطار وأغناها وأكثرها نفوساً، فحسبت أنّ هذه الجزيرة تغرق لثقل الذهب الذي نهب من الهند، واتى به إلى هنا.
[1] وليعلم أنّ اسم تبّع يطلق علي عدد من الأشخاص. أحدهما: تبّع الأوّل وهو زيد بن عمرو، لقبه ذو الأذعار؛ والآخر: تبّع تُبّان أسعد أبو كَرِب، ويُدعي: تبّع الأصغر. وهو الذي نذكر ترجمته هنا؛ والثالث: تُبّع بن تُبّع تُبّان أسعد أبو كَرِب، وهو ابن تبّع الثاني؛ والرابع: تُبّع بن حسّان بن تُبّع تُبان بنَ مَلْكِيكَرِب بن تُبّع الأقرن.
[2] «تاريخ الرسل والملوك» للطبريّ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 2، ص 105 إلي 107، طبعة دار المعارف بمصر.
[3] «المناقب» ج 1، ص 482، الطبعة الحجريّة.