ارتكب الوهّابيّون مذابح عظيمة بحقّ المسلمين. ومن لم يكن وهّابيّاً، فهو مشرك بزعمهم، ويباح دمه وماله وعرضه. وتجاوز عدد القتلى في كلّ مدينة استباحوها عشرة آلاف نسمة.
وأغاروا على كربلاء المقدّسة، وطوّقوا أهلها، وقتلوا في يوم واحد ما يزيد على خمسة آلاف، ونهبوا الأشياء الثمينة من الحرم الحسينيّ الشريف. ثمّ دخلوه واقتلعوا الشبّاك الخشبيّ الذي كان من النفائس، وحطّموه. وأوقدوا النار من أخشابه على القبر المطهّر. وصنعوا القهوة وشربوها.
وقاموا في اليوم الثامن من شهر شوّال سنة 1345 ه بتدمير جميع المراقد المقدّسة لأئمّة البقيع: الإمام الحسن المجتبى، والإمام زين العابدين، والإمام محمّد الباقر، والإمام جعفر الصادق عليهم السلام، وكذلك مراقد بنات رسول الله: زينب وامّ كلثوم ورقيّة، وقبور صفيّة وعاتكة عمّتي رسول الله، وامّ البنين، وإسماعيل بن جعفر الصادق، وإبراهيم ابن رسول الله، وقبور كافّة الصحابة والتابعين وأرحام النبيّ وأزواجه، والصلحاء والأبرار، وهي ممّا لا يحصى. دمّروها برمّتها وسوّوها مع الأرض.
وكانوا يعتزمون تدمير قبر رسول الله، والكعبة متذرّعين بأنّ التقبيل والطواف حول الأحجار شرك، لكنّهم لم يجرأوا على ذلك خوفاً من سائر المسلمين من فرق العامّة، وإلّا فإنّ هدم هذين المكانين المقدّسين كان مرسوماً في خطّتهم. وإذا ما اطمأنّوا من جانب الأقطار الإسلاميّة، فإنّهم يرتكبون هذه الجريمة.
تقول الوهّابيّة: إنّ تقبيل الضريح المقدّس المطهّر لرسول الله شرك. فهو من الحديد، وتقبيل الحديد شرك. وكان الناس أحراراً في تقبيل الكعبة إلى ما قبل عدد من السنين، بَيدَ أنّهم مُنِعوا في السنين الأخيرة. إذ يقف الشرطة في كلّ جانب من جوانب الكعبة، وعددهم في كلّ مكان يزيد على خمسة أو ستّة. ويتراوح مجموعهم بين عشرين وثلاثين شرطيّاً. وهؤلاء أداروا ظهورهم إلى الكعبة بكلّ وقاحة وبأيديهم هراوات وسياط، وينظرون إلى الطائفين، حتى إذا أراد أحد الحجّاج أن يقبّل الكعبة، يزعقون به: هذا حَجَر! هذا حَجَر! والآمرون بالمعروف منهم يديرون ظهورهم إلى الكعبة أيضاً، ويقفون في الركن العراقيّ والشاميّ واليمانيّ، ويقولون: تقبيل الحجر شرك. وإذا ما حاول أحد الطائفين أن يلثم الحجر الذي لثمه رسول الله، ينهالون عليه بسياطهم، ويقولون: شرك.
ولا يُستبعد أن يمنعوا الناس من تقبيل الحجر الأسود، ويعتبروا الطواف الذي يمثّل أقدس حالة للخضوع والتذلّل أمام صاحب البيت شركاً. ويرفعوا الطواف حول الأحجار الجامدة.
إنّ مكّة والمدينة حاضرتان إسلاميّتان متّفق عليهما بين جميع المذاهب الإسلاميّة، وهما مهد نشأة النبيّ ومهجره وداره وقراره. وكلّ نقطة فيهما مسجد ومعبد ومكان يذكّر بتأريخ الإسلام الحيّ وسِيَر الصالحين، وآثار النبوّة، ومعالم ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، لكنّ الوهّابيّين بدّلوهما إلى مدينتين اوروبّيّتين، وطمسوا جميع معالم النبيّ وأهل بيته سواء في مكّة أم في المدينة، وبنوا مكانها العمارات الشاهقة ذات الطوابق العشرة، وقطعوا نخيل المدينة واجتثّوا جذوره بعد ما كانت تزهى بخضرته، وشيّدوا مكانه عمارات على طراز غربيّ تماماً.
ولا نجد في المدينة الطيّبة اسماً لمحلّة بني هاشم، وبيت الإمام السجّاد، وبيت الإمام الصادق، وبيت أبي أيّوب الأنصاريّ. ودمّروا بيت الأحزان وغطّوا جدار مسجد عليّ بصفائح وألواح، وختموا على بابه. وما ذا أقول عن مشربة امّ إبراهيم؟ ذلك المحلّ الشريف والمقدّس، وذلك المكان النورانيّ والمبارك، وقد أضحى اليوم أشبه بمزبلة منه بمسكن رسول الله وأهل بيته! وهو مهجور مغلق.
أمّا مسجد الفضيخ، وهو مسجد ردّ الشمس لأمير المؤمنين عليه السلام، فهو متروك مهجور، حتى لا يعرف اسمه أحد. ولا يذكر اسم عليّ بن أبي طالب في الخطب على المنابر، بَيدَ أنّ عبارة: سيّدنا عمر تتكرّر عشرات، بل مئات المرّات. آه وا حسرتاه ما أغرب المدينة وما أكثر هجرها! إنّ المدينة التي كان كلّ شبر منها ينبئ عن علم أمير المؤمنين عليه السلام وعرفانه وقضائه ودرايته وولايته وحماسته وإيثاره، وهو الحامي الوحيد لرسول الله، أضحت اليوم مظلمة وغريبة. ويُذكَر المخالفون في كلّ نقطة منها، أمّا عليّ فهو غريب عليها، وذكره محظور فيها.
البقيع أرض خالية، لا حَجَر، ولا مصباح، ولا اسم، ولا ذِكر لها. وقد شيّدت حوله عمارات شاهقة بشكل دائريّ وهي تتألّف من عدّة طوابق، وتكثر البنايات ذات الطوابق العشرة هناك. كما تكثر معارض البيع والفنادق والداوئر والدكاكين التي تبيع أنواع البضائع، من دجاج وسمك وشطائر وجوارب وأحذية، كما نجد محلّات بيع الذهب، وكلّ هذه المعارض والدكاكين عليها لوحات مضيئة برّاقة بصور مختلفة، وأشكال عجيبة، وألوان متباينة مومضة تدور، حتى إذا كان أحد عند قبور الأئمّة المعصومين، فإنّه يشاهد العمارات الشاهقة واللوحات.
أمّا قبور أئمّتنا، فلا مصباح فيها ولا حجر، حتى أنّ أحداً لا يستطيع أن يكتب عليها بإصبعه مثلًا: هذا قبر الإمام جعفر الصادق. وهل تعلم ما ذا يعني هذا؟! يعني أنّ اسم جعفر الصادق غريب ومحظور. وكذلك اسم محمّد الباقر. أي: أنّ حقيقتهم وروحهم وولايتهم وتفسيرهم وحديثهم ورسالتهم، كلّ ذلك محظور. وترى الوهّابيّة أنّ وجودها في حظر هذا المذهب وهذه الرسالة، ويسعى أصحابها من أجل المحافظة على وجودها الذي يمثّل هدم الإسلام حقّاً. ولِمَ ذاك؟ لأنّ التشيّع ليس إلّا تجسيد روح الإسلام وتبلور معنى النبوّة والقرآن.
تشرّفتُ بحجّ بيت الله الحرام سنة 1407 ه، ورأيت ما وقع عصر يوم الجمعة السادس من ذي الحجّة، إذ حوصر الناس في شارع المسجد الحرام، أي البلد الحرام، في الشهر الحرام، وفي حرم الله بين العمرة والحجّ، لا لذنب إلّا لأنّ الشيعة الإيرانيّين أعلنوا البراءة من المشركين، ونادوا باتّحاد المسلمين، وهتفوا للتخلّص من نَير الجبّارين والجائرين الكافرين في العالم. فهجم عليهم الجلاوزة، وضربوهم وجرحوهم. وكان عدد الجرحى أكثر من أربعة آلاف، وعدد القتلى ثلاثمائة واثنين وعشرين بلا شكّ، بينهم مائتان وثماني نساء، ومائة وأربعة عشر رجلًا، وفُقِد أربعة عشر رجلًا آخر، لا يُعلم هل سيقوا إلى السجن أم ماتوا ولم يعرفوا لكثرة جروحهم، ولم يسلّم الوهّابيّون أجسادهم.
والأنكى من هذه الجريمة أنّ الوهّابيّين يتّهمون الحكومة الإسلاميّة في إيران أنّها تريد الفساد والإفساد وتدمير بيت الله والتآمر، ويرون أنّ هجمتهم القبيحة الوقحة الظالمة معلَم على إقرار الهدوء والمحافظة على النظم. ونُقل أنّهم صرّحوا في إذاعتهم المرئيّة، ومذياعهم، وصحفهم بأنّهم حالوا دون أعمال الشغب والاضطرابات، وإلّا لدمّر الإيرانيّون بزعمهم بيت الله، لأنّهم مجوس ويهود ولا علم لهم بالإسلام ولا يفدون إلى مكّة من أجل الحجّ، بل من أجل إثارة الشغب، والإخلال، والتفريق بين المسلمين، وبثّ الشبهات والشكوك في الإسلام، ويتظاهرون بإقامة الحجّ بين المسلمين.
إنّ الفرقة الوهّابيّة كالفرقة البهائيّة، فتلك قد ظهرت بين أهل العامّة وهي حنبليّة المذهب، وهذه ظهرت بين الشيعة، وهي جعفريّة المذهب. وكلتاهما منفصلة عن الإسلام، بعيدة عنه، وقد تقمّصت الاولى وجه الإسلام الحقيقيّ بزعمها والكفاح ضدّ الشرك، أمّا الثانية فقد تقمّصت لباس التشيّع الحقيقيّ بظنّها وزعمت ظهور الإمام المهديّ عجّل الله فرجه. وقتلت كلّ منهما اناساً أبرياء بذلك الزعم والظنّ، وأفسدتا في الأرض وسوّدتا وجه التأريخ.