إنّ هذه القباب الذهبيّة والأبواب النفيسة هي كمجوهرات الكعبة، فلا هي من مال المسلمين الذي يورّث لأهله، ولا هي من الخمس[1] الذي يصرف في مواضعه، ولا هي من الزكاة والصدقات التي ينبغي أن تصرف في مواردها الثمانية،[2] ولا هي من الغنائم والفيء المعيّن مورده. إنّها ملك خاصّ لأشخاص وقفوه للكعبة، وللإمام، ولابن الإمام. وقد اعتبر الشرع المقدّس الوقف صحيحاً وأمضاه وقبل الهديّة. فإذا أراد شخص أن يعبّر عن حبّه فيكدّ في نسج سجّادة، أو إذا حاكت امرأة إصفهانيّة، أو يزديّة، أو قاسانيّة أو أيّة امرأة كانت لأحد المراقد المطهّرة غطاءً مشبّكاً، أو قطعة مزركشة وما شاكل ذلك من الأعمال إليدويّة، فإنّ ذلك الرجل وتلك المرأة إنّما يقومان بذلك تعبيراً عن مودّتهما لمن يحبّان. وتراهما يكتبان عليها الآيات القرآنيّة النازلة بشأن أهل البيت عليهم السلام، والأشعار العربيّة والفارسيّة بأجمل خطّ -و لو عرضت هذه النتاجات في معارض عالميّة لبهرت العيون، وللقيت الترحيب حتى ليتقاطر الناس لشرائها بأسعار خياليّة- ويهديانها إلى أعظم معشوق روحيّ ومعنويّ، وهو إمامهما، الذي وإن لم تصل إليه أيديهما فهما يبسطانها على مرقده.
تقولون: لا تقدّموا الهدية، ما ذا يصنع الإمام بالهديّة؟! أو قدّموا الهدايا إلى الملك الفلانيّ أو الرئيس الفلانيّ أو بيعوا ما تنتجون لأمثالكم؟ فأنتم أيّها القائلون ترضون بهذا، ولا ترضون بذاك!
إنّ مراقد الأئمّة الطاهرين ملاذ الناس وملجأهم. وكما يقبل عليها الناس في ملمّات الحياة وخطوب الدهر، فإنّهم يحبّون أن يهدوا إليها أفضل وأزكى ثمرتهم. لهذا يقدّمون ذهبهم، ويهدون كتبهم النفيسة، ويعرضون عصيّهم وسيوفهم.
وسينتفع بهذه الأشياء جميع الزائرين شئنا أم أبينا بل المؤمنين وستبقى محفوظة من جهة اخرى ومصونة من أيدي ذئاب في صورة شياه كأمثالكم. ثمّ لا تستطيعون إرسالها إلى الخارج لتزيّنوا بها متاحف الدول الكافرة ومكتباتها!
وعلى كلّ تقدير، لمّا كان التصرّف بها حراماً، فلا بدّ أن تبقى على هذا المنوال؛ ولا يحقّ لأحد أن يتصرّف بها. وإذا تصرّف بها فهو سارق؛ كالذي يسرق ستائر باب الحرم، أو يقلع الطابوق والفسيفساء المنصوب على الجدران. وإنّما الذي لا يجوز هو تزيين المساجد لا مراقد الأئمّة عليهم السلام. وإذا كان مسجد ما مجاوراً لأحد المراقد،
واطلق عليه المسجد شرعاً، فينبغي أن يكون بسيطاً. ولا ضير في كتابة الآيات القرآنيّة في المساجد بخطوط غير ذهبيّة، لأنّه ممّا لا يعدّ زينة.
يكره الصلاة في المقبرة وبين القبور، إلّا أن تكون المسافة عن القبر من كلّ طرف من أطرافه عشرة أذرع (قرابة خمسة أمتار). ويحرم السجود على القبر. ويستثني من هذه القاعدة العامّة قبور الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين. هذا مع أن السجود على قبر الإمام غير جائز، ولكن يستحبّ وضع الخدّ الأيمن عليه. وتعتبر الصلاة عند قبر الإمام من أفضل الطاعات خاصّة في أعلى جهة الرأس المتّصلة بالقبر؛ ولا بأس بها عند أسفل جهة القدم وخلفه؛ أمّا التقدّم على القبر في أثناء الصلاة بحيث يكون القبر وراء المصلّي فهو خلاف الأدب. وهذه كلّها مسائل فقهيّة مأثورة في الروايات.
[1] النصف الأوّل من الآية 41، من السورة 8: الأنفال: واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى والْيَتامى والْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ.
[2] الآية 60، من السورة 9: التوبة: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والْمَساكِينِ والْعامِلِينَ عَلَيْها والْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفِي الرِّقابِ والْغارِمِينَ وفِي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.