ما أروع ما أنشده المرحوم السيّد بحر العلوم رضوان الله عليه في منظومته، حيث قال:
أكْثِرْ مِنَ الصَّلَاةِ في المَشَاهِدِ *** خَيْرِ البَقاعِ أفْضَلِ المَعَابِدِ
لِفَضْلِهَا اخْتِيرَتْ لِمَنْ بِهِنّ حَلّ *** ثُمَّ بِمَنْ قَدْ حَلَّهَا سَمَا المَحَلّ
وَالسِّرّ في فَضْلِ صَلَاةِ المَسْجِدِ *** قَبْرٌ لِمَعْصُومٍ بِهِ مُسْتَشْهَدِ
بِرَشَّةٍ مِنْ دَمِهِ المُطَهَّرة *** طَهَّرَهُ اللهُ لِعَبْدٍ ذَكَرَه
وَهِيَ بُيُوتٌ أذِنَ اللهُ بِأنْ *** تُرْفَعَ حتى يُذْكَرَ اسْمُهُ الحَسَنْ
وَمِنْ حَدِيثِ كَرْبَلَا والكَعْبَه *** لِكَرْبَلَا بَانَ عُلُوُّ الرّتْبَه
وَغَيْرُهَا مِنْ سَائِرِ المَشَاهِدْ *** أمْثَالُهَا بِالنّقْلِ ذِي الشَّوَاهِدْ
فَأدِّ في جَمِيعِهَا المُفْتَرضَا *** والنّفْلَ واقْضِ مَا عَلَيْكَ مِنْ قَضَا
رَاعِ فِيهِنّ اقْتِرَابَ الرّمْسِ *** وآثِرِ الصَّلَاةَ عِنْدَ الرّأسِ
وَالنّهْيُ عَنْ تَقَدُّمٍ فِيهَا أدَبْ *** والنّصُّ في حُكْمِ المُسَاوَاةِ اضْطَرَبْ
وَصَلِّ خَلْفَ القَبْرِ فالصَّحِيحُ *** كَغَيْرِهِ في نَدْبِهَا صَرِيحُ
وَالفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ القُبُورِ *** وغَيْرِهَا كَالنّورِ فَوْقَ الطُّورِ
فَالسَّعْيُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَهَا نُدِبْ *** وقُرْبُها بَلِ اللُّصُوقُ قَدْ طُلِبْ
والاتّخَاذُ قِبْلَةً وإنْ مُنِعْ *** فَلَيْسَ بِالدَّافِع إذْناً قَدْ سُمِعْ[1]
وعلى ضوء ذلك فإنّ لقبور الأئمّة حكم المساجد، بل هي أفضل المساجد، لأنّنا كما رأينا البيتين الثالث والرابع أنّ شرف كلّ مسجد يُبني في العالم هو بفضل دم المعصوم الذي اريق هناك، ونال صاحبه وسام الشهادة. وقد وقع هذا الأمر على تواتر القرون وكرور الأزمان. وقد جعل الله ذلك المكان معبداً طاهراً مطهّراً لذكره ببركة الدم المذكور. وإن كان بناء المسجد بعد انطواء السنين المتمادية.
ولمّا كانت هذه القاعدة العامّة جارية في كلّ مسجد، حتى لو لم نعرف صاحب ذلك الدم، فانظروا إلى مدى ميزة المراقد المقدّسة للأئمّة عليهم السلام وعِظم فضيلتها، فأصحابها معروفون معيّنون، وهم في منزلة أعلى وأسمى من منزلة جميع المعصومين الذين كانوا في العصور الخالية والأزمان السالفة.
أمّا قوله في البيت السادس:
وَمِنْ حَدِيثِ كَرْبَلَا والكَعْبَه *** لِكَرْبَلَا بَانَ عُلوُّ الرّتْبَه
فيبدو أنّه إشارة إلى الحديث الذي رواه ابن قُولَوَيْه في كتابه الجليل والنفيس: «كامل الزيارات» عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أبي عبد الله الرازيّ، عن الحسن بن عليّ بن حمزة، عن الحسن بن محمّد بن عبد الكريم أبي عليّ، عن المفضّل بن عمر، عن جابر الجُعفيّ أنّه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام للمفضّل: كَمْ بَيْنَكَ وبَيْنَ قَبْرِ الحُسَيْنِ عليهِ السَّلَامُ؟ قُلْتُ: بِأبِي أنْتَ وامِّي! يَوْمٌ وبَعْضُ يَوْمٍ آخَرَ! قَالَ: فَتَزُورُهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ! قَالَ: فَقَالَ: ألَا ابَشِّرُكَ؟ أ لَا افَرّحُكَ بِبَعْضِ ثَوَابِهِ؟ قلت: بلى جعلتُ فداك! فقال: إنّ الرجل منكم ليأخذ في جهازه، ويتهيّأ لزيارته، فيتباشر به أهل السماء. فإذا خرج من باب منزله راكباً أو ماشياً، وكلّ الله به أربعة آلاف ملك من الملائكة يصلّون عليه حتى يوافي قبر الحسين عليه السلام.
ثمّ بيّن الإمام عليه السلام كيفيّة الدخول، ومتن الزيارة، وقال بعد إكمال الزيارة: ثُمَّ تَمْضِي إلى صَلَاتِكَ. ولَكَ بِكُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَها عِنْدَهُ كَثَوابِ مَنْ حَجَّ ألْفَ حِجَّةٍ واعْتَمَرَ ألْفَ عُمْرَةٍ، وأعْتَقَ ألْفَ رَقَبةٍ، وكَأنّمَا وَقَفَ في سَبِيلِ اللهِ ألْفَ مَرّةٍ مَعَ نَبِيّ مُرْسَلٍ الحديث.[2]
والشيء العجاب هو أنّ العامّة يقيمون امورهم ويقتدون بأعمالهم بسنّة عمر وعمله. ويتّخذون أفعاله مبادى عمليّة لأفعالهم، حتى لو كان رسول الله قد نهاه عن عمل قام به، أو كان أمير المؤمنين قد أوقفه على خطأه. وكأنّ العامّة يقدّمون سنّة عمر وعمله على سنّة رسول الله وعمله. وهذه هي الطامّة الكبرى التي لا تُسَوَّغ بمنطق وبرهان، ولا بطريقة تفكير معيّنة، ولا تعبّر إلّا عن جمود وركود وتعصّب أعمى وحميّة جاهليّة على حدّ تعبير القرآن الكريم. وهذه حقيقة ملموسة في تضاعيف كثير من الأحكام في فقه العامّة.
منها: البكاء على الميّت، وقد أذِن به رسول الله، وعدّه رحمة، إلّا أنّه لم يجز الشكوى والجزع والتأفّف من الله. أمّا عمر، فقد كان ينهى عنه، ويضرب بدرّته من كان يبكي من النساء والأقارب على عزيز فقدوه. ومنها: متعة النساء ومتعة الحجّ.
[1] «ألفيّة بحر العلوم» وقد جلّدت علي شكل كرّاسة مع فوائده النجفيّة، وألفيّة السيّد محسن الكاظميّ.
[2] «كامل الزيارات»، ص 205 إلي 207؛ ورواه المجلسيّ رضوان الله عليه في «بحار الأنوار»؛ كتاب «المزار» عن ابن قولويه، في طبعة الكمبانيّ: ج 21، ص 146 و147، وفي الطبعة الحديثة: ج 101، ص 82؛ وقال المرحوم الشيخ عبد الحسين الأمينيّ التبريزيّ صاحب «الغدير» في تعليقته: الظاهر أنّ كلمة «للمفضّل» اشتباه إمّا من الراوي أو من المستنسخين، والصحيح: «لجابر» كما في «المزار الكبير» للمشهديّ، رواه بإسناده، وليس فيه المفضّل أصلًا؛ وكما في رواية السيّد ابن طاووس في مزاره.