روى الحاكم في مستدركه بسنده المتّصل عن أبي هارون العَبْديّ، عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: حججنا مع عمر بن الخطّاب فلمّا دخل الطواف استقبل الحَجَرَ الأسْوَد فقال: إنّي أعْلَمُ أنّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرّ ولَا تَنْفَعُ! ولَوْ لَا أنّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ! ثُمَّ قَبَّلَهُ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ: بَلَى يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ! إنّهُ يَضُرّ ويَنْفَعُ!
قال عمر قلت: بم قلت؟ فقال عليّ بن أبي طالب: بكتاب الله تبارك وتعالى!
قال عمر: وأين ذلك من كتاب الله؟ فقال عليّ بن أبي طالب: قال الله عزّ وجلّ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[1] خَلَقَ اللهُ آدَمَ ومَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ فَقَرّرَهُمْ بِأنّهُ الرّبُّ وأنّهُمُ العَبِيدُ وأخَذَ عُهُودَهُمْ ومَوَاثِيقَهُمْ وكَتَبَ ذَلِكَ في رِقٍّ وكَانَ لِهَذَا عَيْنَانِ ولِسَانٌ.
فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ فَاكَ! قَالَ: فَفَتَحَ فَاهُ فَألْقَمَهُ ذَلِكَ الرّقَّ؛ وقَالَ: اشْهَدْ لِمَنْ وَافَاكَ بِالمُوَافَاةِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ وإنّي أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ يَقُولُ: يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالحَجَرِ الأسْوَدِ لَهُ لِسَانٌ ذَلِقٌ يَشْهَدُ لِمَنْ يَسْتَلِمُهُ بِالتَّوْحِيدِ. فَهُوَ يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ! يَضُرّ ويَنْفَعُ!
فَقَالَ عُمَرُ: أعُوذُ بِاللهِ أنْ أعِيشَ في قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يَا أبَا حَسَنٍ![2]
وروى صاحب كتاب «تشييد المطاعن» العلّامة مير محمّد قلي هذا الحديث عن كتاب «البدور السافرة في الامور الآخرة»[3] لجلال الدين السيوطيّ، في باب شهادة الأمكنة، عن أبي سعيد الخُدري. ثمّ قال: رواه الفقيه أبو الليث في كتاب «تنبيه الغافلين» عن أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد الخُدريّ رضي الله عنهما، قال: حججنا مع عمر بن الخطّاب في أوّل خلافته. ثمّ نقل قصّة دخول عمر في الطواف ومكالمة عمر وجواب أمير المؤمنين، وذكر بعد ذلك أنّ أمير المؤمنين قال لعمر: وَلَوْ أنّكَ قَرَأتَ القُرْآنَ وعَلِمْتَ مَا فِيهِ مَا أنْكَرْتَ عَلَيّ!
فقال له عمر يا أبا الحسن! ما تأويل هذه الآية من كتاب الله عزّ وجلّ؟ قال: يقول الله عزّ وجلّ: وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ... إلى آخره. ثمّ قال له: لمّا أقرّ بنو آدم بالعبوديّة، كتب الله إقرارهم في رقّ، ثمّ دعا هذا الحجر، فألقمه ذلك الرقّ، فَهُوَ أمِينُ اللهِ في هَذَا المَكَانِ يَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ.
قال له عمر: يَا أبَا الحَسَنِ! لَقَدْ جُعِلَ بَيْنَ ظُهْرَانِكُمْ مِنَ العِلْمِ غَيْرُ قَلِيلٍ!
وكذلك روى محمّد بن يوسف الشاميّ عين ألفاظ هذا الحديث الذي نقلناه عن الحاكم، وذلك في كتاب «سبيل الهدى والرشاد» المشهور ب «السيرة الشاميّة» عن الخُجَنديّ في كتاب «فضائل مكّة»، وعن أبي الحسن القطّان في كتاب «الطُّوَالات»، وعن الحاكم، والبيهقيّ في «الشُّعَب» عن أبي سعيد الخُدريّ رضي الله تعالى عنه.[4]
ورواه أيضاً ابن أبي الحديد،[5] والسيّد هاشم البحرانيّ عنه،[6] والبيهقيّ.[7]
ورواه العلّامة الأمينيّ في «الغدير» -مضافاً إلى المصادر المذكورة- عن ابن الجوزيّ في «سيرة عمر» ص 106، وعن الأزرقيّ في «تاريخ مكّة» كما في «العُمدة»، والقسطلانيّ في «إرشاد الساري» ج 3، ص 195، والعينيّ في «عُمدة القاري» ج 4، ص 606 بلفظيه، والسيوطيّ في «الجامع الكبير» كما في ترتيبه، ج 3، ص 35 نقلًا عن الخجنديّ في «فضائل مكّة»، وأبي الحسن القطّان في «الطوالات»، وابن حبّان، وأحمد زيني دحلان في «الفتوحات الإسلاميّة» ج 2، ص 5. 6[8]
ورواه البخاريّ بسند واحد، ومسلم بأربعة أسانيد، لكنّهما حذفا ذيله الذي فيه اعتراض أمير المؤمنين عليه السلام على عمر، وجواب الإمام نفسه، وذلك لفرط عنادهما ومكابرتهما.[9] ونحن نرى في مواطن كثيرة في الفقه والسيرة أنّ هذين وأمثالهما يقطعون من الحديث ما فيه فضيلة ومنقبة لأمير المؤمنين عليه السلام أو لأهل البيت، ويذكرون ما يتعلّق بالفقه، ويحذفون ما يثبت المناقب.
ومن هنا نعرف أنّ هذين الشخصين وضعا أساس كتابيهما على التمويه والخداع والدجل والحيلة والحذف، ولم يعرضا حقيقة الامور. فلهذا يتميّزان ويترجّحان عند الحكّام والامراء الجائرين من العامّة، وعند العوامّ الذين هم كالأنعام.
[1] «الآية 172، من السورة 7: الأعراف» وتتمّتها: شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ.
[2] «المستدرك» ج 1، ص 457 و458؛ وورد هذا الكلام أيضاً في «تاريخ دمشق»، كتاب أمير المؤمنين، ج 2، ص 39، الحديث 1070؛ وذكر ابن عساكر هذا الحديث كلّه في «تاريخ دمشق» كتاب أمير المؤمنين عليه السلام، ج 2، ص 40، الحديث 1073، وفي آخره: قال عمر: لَا بقيتُ في قَوْمٍ لستَ فيهم أبا حَسَن! أو أنه قال: لا عشتُ في قوم لستَ فيهم أبا حَسَن! ونقل ابن شهرآشوب هذه الرواية في مناقبه ج 2، ص 494، الطبعة الحجريّة، بالنسق المذكور عن «إحياء العلوم» للغزّاليّ، وفي آخرها قال أمير المؤمنين عليه السلام: فهو يشهد للمؤمن بالوفاء ويشهد على الكافر بالجحود، قيل فذلك قول الناس عند الاستلام: اللهمَّ! إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك. وروى أبو سعيد الخدريّ هذا الخبر. وجاء في رواية شعبة عن قتادة، عن أنس أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لعمر: لَا تَقُلْ ذلك! فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ما فعل فعلًا ولا سنّ سنّة إلّا عن أمر الله، نزّل على حُكمه.
[3] ذكر في هامش الكتاب أنّ نسخة «البدور السافرة» موجودة في مكتبة المصنّف أعلى الله مقامه، ولوحظت منه أيضاً ثلاث نسخ اخرى.
[4] «تشييد المطاعن» ج 2، ص 556 إلي 558 من طبعة الاوفسيت، الهند.
[5] «شرح نهج البلاغة» طبعة بيروت بالاوفسيت، أربعة أجزاء دار المعرفة، دار الكاتب العربيّ، دار إحياء التراث العربيّ، ج 3، ص 122.
[6] «غاية المرام» القسم الثاني، ص 533، الحديث 23 عن طريق العامّة.
[7] «السنن الكبرى» ج 5، ص 75، كتاب الحجّ، باب تقبيل الحجر؛ ذكر صدر الرواية.
[8] «الغدير» ج 6، ص 103، رقم 8.
[9] «صحيح البخاريّ» ج 2، ص 151، كتاب الحجّ، باب تقبيل الحجر، طبعة بولاق؛ و«صحيح مسلم» ج 2، ص 925، باب 41 من كتاب الحجّ، الحديث 248 إلي 251، طبعة دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي.