إنّ كثيراً من العامّة هم من اولي الإنصاف، إذ يعرضون الأحاديث والروايات كما وصلت، لا يقطعون ولا يحذفون. ونخصّ بالذكر منهم النسائيّ وأحمد بن حنبل وابن أبي الحديد والسيوطيّ والبيهقيّ والحاكم والحسكانيّ وابن المغازليّ وإبراهيم بن محمّد الحمّوئيّ، ومنهم: الحافظ أبو المؤيّد موفّق بن أحمد البكريّ المكّيّ الحنفيّ المعروف بأخطب خوارزم المولود سنة 484 ه، والمتوفّى سنة 568 ه. ويُعدّ كتابه «المناقب» في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه من نفائس الكتب، كما ينظر إليه كمصدر للروايات والأحاديث التي يرويها عنه أعيان الخاصّة والعامّة، وطبع في آخر مناقبه ثلاث قصائد غرّاء نظهما في مدح مولى الموالى، وكلّ منها تحتوي على مطالب رفيعة.
نذكر فيما يأتي أبياتاً من قصيدته الاولي:
هَلْ أبْصَرَتْ عَيْنَاكَ في المِحْرابِ *** كَأبِي تُرَابٍ مِنْ فَتَى مِحْرابِ
لِلَّهِ دَرّ أبِي تُرابٍ إنّهُ *** أسَدُ الحِرَابِ وزِينَةُ المِحْرَابِ
هُوَ ضَارِبٌ وسُيُوفُهُ كَثَواقِبٍ *** هُوَ مُطْعِمٌ وجِفَانُهُ كَجَوابِ[1]
إنّ النّبِيّ مَدِينَةٌ لِعُلُومِهِ *** وعلِيّ الهَادِي لَهَا كَالبَابِ
لَوْ لَا عَلِيّ مَا اهْتَدَى في مُشْكِلٍ *** عُمَرٌ ولَا أبْدَى جَوَابَ صَوَابِ
مَا ارْتَابَ في فَضْلِ المُحِقِّ المُهْتَدِي *** غَيْرُ الغَوِيّ المُبْطِلِ المُرْتَابِ
كَالشَّهْدِ مَوْلَانَا عَلِيّ المُرْتَضَى *** للأوْلِياءِ ولِلْعِدَى كالصَّابِ
إنّ الوَصِيّ لَمَوْضِعُ الأسْرَارِ إذْ *** زَمَّ النّبِيّ مَطِيَّهُ لِذَهَابِ
إنّ الوَصِيّ أخَا النّبِيّ المُصْطَفَى *** زَمَنَ الصِّبَا مَا جَرّ ذَيْلَ تَصَابِ
وَلَهُ مَنَاقِبُ مَدَّ مَدْحِي ضَبْعَهُ *** فِيهَا وأكْثَرُهَا وَرَاءَ نِقَابِ
يَا عَاتَبِي بِهَوَى عَلِيّ زَدْنُهُ *** صِدْقاً هَوَايَ فَزِدْ بِمَكْثِ عِتَابِ
إنْ كَانَ أسْبَابُ السَّعَادَةِ حُجَّةً *** فَهَوَى عَلِيّ آكَدُ الأسْبَابِ
وَ كَسَوْتُ أعْقَابِي بِنَظْمِي مِدْحَةً *** حُلَلًا تَجِدْ عَلَيّ بِالأحْقَابِ
حَسَنَاهُ وهوَ وفَاطِمٌ أهْوَاهُمُ *** حَقَّاً واوصِى بِالهَوَى أعْقَابِي[2]
ونختم بحثنا هنا برواية مسندة ذكرها هذا العالم الجليل العامّيّ المذهب: موفّق بن أحمد الخوارزميّ.
قال: أخبرني الحافظ أبو العلاء حسن بن أحمد العطّار الهمدانيّ، والإمام الأجلّ نجم الدين أبو منصور محمّد بن حسين بن محمّد البغداديّ، قال: أخبرني الإمام الأجلّ نور الهدى أبو طالب حسين بن محمّد بن عليّ الزينيّ، عن الإمام محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان، قال: حدّثني سهل بن أحمد عن أبي جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، عن هنّاد بن سريّ، عن محمّد بن هشام، عن سعيد بن أبي سعيد، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر أنّه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: إنّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ دَعَاهُنّ فَأجَبْنَهُ فَعَرَضَ عَلَيْهُنّ نبوَّتِي وَوَلَايَةَ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ فَقَبِلَتَاهُمَا. ثُمَّ خَلَقَ الخَلْقَ وفَوَّضَ إلَيْنَا أمْرَ الدِّينِ. فَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ بِنَا والشَّقِيّ مَنْ شَقِيَ بِنَا؛ نَحْنُ المُحِلُّونَ لِحَلَالِهِ والمُحَرّمُونَ لِحَرامِهِ.[3]
[1] الجواب جمع جابية، والأجباء جَبَا، وهو الحوض الذي يجبي فيه الماء للإبل، من جبا يجبو جباً بمعني جمع الماء في الحوض؛ وجمع الخراج.
[2] «مناقب الخوارزميّ» في الطبعة الحجريّة: ص 275 و276، وفي طبعة المطبعة الحيدريّة بالنجف: ص 287 و288. مختار من القصيدة البالغة ثمانية وثلاثين بيتاً.
[3] «مناقب الخوارزميّ» ص 80، الطبعة الحجريّة، وص 80، طبعة المطبعة الحيدريّة.