قال الله الحكيم في كتابه الكريم: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.[1]
قال استاذنا العلّامة الطباطبائيّ في تفسيره: الحِكمة بكسر الحاء على فعلة بناء نوع يدلّ على نوع المعنى. فمعناه النوع من الإحكام والإتقان، أو نوع من الأمر المحكم المتقن الذي لا يوجد فيه ثلمة ولا فتور. وغلب استعماله في المعلومات العقليّة الحقّة الصادقة التي لا تقبل البطلان والكذب البتة. فالحكمة هي القضايا الحقّة المطابقة للواقع من حيث اشتمالها بنحو على سعادة الإنسان كالمعارف الحقّة الإلهيّة في المبدأ والمعاد، والمعارف التي تشرح حقائق العالم الطبيعيّ من جهة مساسها بسعادة الإنسان كالحقائق الفطريّة التي هي أساس التشريعات الدينيّة و الأحكام الإلهيّة.[2]
ومن هذا المنطلق قال الحكماء الإلهيّون: الحِكْمَةُ هُوَ العِلْمُ بِحقَايقِ الأشْيَاءِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ البَشَرِيَّةِ. أو: الحِكْمَةُ صَيْرُورَةُ الإنسَانِ عَالِماً عَقْلِيَّاً مُضَاهِياً لِلْعَالَمِ الخَارِجِيّ.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله على ما نطق به القرآن الكريم معلّم الحكمة لُامّته. وتلميذه الوحيد في هذه المدرسة هو مولى الموحّدين أمير المؤمنين الذي فاضت الحكمة من نواحيه حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعجب منه في بعض الأوقات، ويبتهج لكثرة علمه ودرايته. كما روى أحمد بن حنبل في مسنده بسلسلة سنده المتّصل عن حميد بن عبد الله بن يزيد المدنيّ: إنّهُ ذُكِرَ عِنْدَ النّبِيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قَضَاءٌ قَضَى بِهِ عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَأعْجَبَ النّبِيّ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي جَعَلَ الحِكْمَةَ فِينَا أهْلَ البَيْتِ.[3]
وروى موفّق بن أحمد الخوارزميّ بسنده المتّصل عن زيد العمي، عن أبي صديق الناجي، عن أبي سعيد الخُدريّ أنّه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ: إنّ أقْضَى امَّتِي عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ.[4]
وكذلك روى الخوارزميّ بسنده المتّصل عن سلمان، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: أعْلَمُ امَّتِي مِنْ بَعْدِي عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ.[5]
ويتعذّر على الإنسان أن يحكم بالحقّ في جميع الامور، ويقضي به في كافّة المسائل والمواطن ما لم يستنر قلبه بنور الله، ويطّلع على أسرار عالم الخارج، ويكتنه حقيقة الملك والملكوت ويدركها كما هي. وخاطب الله سبحانه وتعالى نبيّه داود على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام قائلًا: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ.[6]
نجد هنا أنّ الله جلّ وعلا رتّب الحكم بالحقّ على الخلافة. ولا يصدر الحكم بالحقّ ما لم تتحقّق هذه الخلافة الإلهيّة. وكلّ من تمرّد على الخلافة الإلهيّة واتّبع هوى نفسه الأمّارة، فإنّه يتيه ويضلّ عن السبيل. ولن تفتح في وجهه نافذة من عالم النور، إذ إنّ نسيان الله ويوم القيامة طريق معاكس لطريق الخلافة الإلهيّة التي تستلزم اليقظة والوعي والتنبّه والعرفان والالتزام والمسئوليّة والعمل بما يتطلّبه منهج العبوديّة.
ولا تحصى الروايات والأحاديث المأثورة عن الخاصّة والعامّة في تفرّد أمير المؤمنين عليه السلام في القضاء والحكم بالحقّ وتدفّقه بالعلم والعرفان.
قال الإمام محمّد الباقر عليه السلام: لَيْسَ أحَدٌ يَقْضِي بِقَضَاءٍ يُصِيبُ فِيهِ الحَقَّ إلَّا مِفْتَاحُهُ قَضَاءُ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ.
وجاء في كتاب «فضائل الصحابة» لأبي المظفّر السمعانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي قبيصة، عن أبيه، عن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: عَلِيّ أقْضَى امَّتِي فَمَن أحَبَّني فَلْيُحِبَّهُ فَإنّ العَبْدَ لَا يَنَالُ وَلَايَتِي إلَّا بِحُبِّ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ.[7]
وورد في مسند أحمد بن حنبل بسنده المتّصل عن يحيي بن سعيد، عن المسيّب قال: كَانَ عُمَرُ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنْ مُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَهَا أبُو الحَسَنِ عَلَيهِ السَّلَامُ.[8]
وروى موفّق بن أحمد الخوارزميّ بسنده المتّصل عن يحيى بن سعيد، عن المسيّب قال: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: اللهُمَّ لَا تُبْقِنِي لِمُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَهَا ابْنُ أبِي طَالِبٍ عَلَيهِ السَّلَامُ.[9]
وروى أيضاً بإسناده عن أبي الدرداء أنّه قال: العلماء ثلاثة: رجل بالشام، يعني نفسه. ورجل بالكوفة، يعني عبد الله بن مسعود. ورجل بالمدينة، يعني عليّاً. فالذي بالشام يسأل الذي بالكوفة. والذي بالكوفة يسأل الذي بالمدينة. والذي بالمدينة لا يسأل أحداً.
وكثير من هذه الأحاديث ذكرها من العامّة إبراهيم بن محمّد الحمّوئيّ في كتاب «فرائد السمطين».[10]
[1] الآية 269، من السورة 2: البقرة.
[2] تفسير «الميزان» ج 2، ص 418.
[3] «غاية المرام» القسم الثاني، ص 528، الحديث 3، عن طريق العامّة.
[4] «غاية المرام» القسم الثاني، ص 529، رقم 4، عن الخوارزميّ.
[5] «غاية المرام» القسم الثاني، ص 528، الحديث 2.
[6] الآية 26، من السورة 38: ص.
[7] «غاية المرام» القسم الثاني، ص 529، الحديث 15 عن العامّة. وقال السيّد هاشم البحرانيّ بعد هذا الحديث: قال ابن البطريق في «المستدرك»: قد ذكر ذلك أحمد بن حنبل من ثلاثة طرق، ومن مسلم في صحيحه طريق واحد.
[8] «غاية المرام» ص 530، الحديث الأوّل عن العامّة. و«تاريخ دمشق» ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام ج 2، ص 39، الحديث 1072 و1073.
[9] «غاية المرام» ص 531 و532، الحديث الثاني عشر من العامّة.
[10] «غاية المرام» ص 533، الحديث العشرون عن العامّة؛ وذكر ابن عساكر مضمونه في «تاريخ دمشق» ترجمة أمير المؤمنين، ج 2، ص 51، الحديث 1086.