قال الله الحكيم في كتابه الكريم: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ ورَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.[1]
جاء في تفسير «الصافي» نقلًا عن «تفسير القمّيّ» أنّ هذه السورة أوّل سورة نزلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم. إذ هبط جبرئيل عليه صلى الله عليه وآله، فقال: يَا مُحَمَّدُ! اقْرَأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما أقرأ؟ قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . يَعْنِي خَلَقَ نُورَكَ القَدِيمَ قَبْلَ الأشْيَاءِ.[2]
وقال سماحة استاذنا العلّامة الطباطبائيّ أفاض الله علينا من بركات رمسه في تفسيره: مفعول اقْرَأ محذوف. وقوله بِاسْمِ رَبِّكَ الباء متعلّق بمقدّر نحو مفتتحاً أو مبتدأً أو با قرأ، والباء للملابسة. (أي: اقرأ بتلقّي ما يوحيه إليه ملك الوحي مبتدأً أو مفتتحاً أو ملابساً اسم ربّك الذي خلقك).
وفي قوله: رَبِّكَ الذي خَلَقَ إشارة إلى قصر الربوبيّة في الله عزّ اسمه. وهو توحيد الربوبيّة المقتضية لقصر العبادة فيه. فانّ المشركين كانوا يقولون: إنّ الله سبحانه ليس له إلّا الخلق والإيجاد. وأمّا الربوبيّة، وهي الملك والتدبير، فلمقرّبي خلقه من الملائكة والجنّ والإنس، فدفعه الله بقوله: رَبِّكَ الذي خَلَقَ الناصّ على أنّ الربوبيّة والخلق له وحده. وقوله: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ الباء للسببيّة. أي: علّم القراءة أو الكتابة بواسطة القلم ... والكلام مسوق لتقوية نفس النبيّ صلى الله عليه وآله وإزالة القلق والاضطراب عنها حيث امر بالقراءة وهو امّيّ لا يكتب ولا يقرأ، كأنّه قيل: اقرأ كتاب ربّك الذي يوحيه إليك ولا تخف، والحال أنّ ربّك الأكرم الذي علّم الإنسان القراءة بواسطة القلم الذي يخطّ به. فهو قادر على أن يعلّمك قراءة كتابه وأنت امّيّ، وقد أمرك بالقراءة ولو لم يقدرك عليها لم يأمرك بها.
ثمّ عمّم سبحانه النعمة فذكر تعليمه للإنسان ما لم يعلم فقال: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. وفيه مزيد من تقوية لقلب النبيّ صلى الله عليه وآله وتطييب لنفسه... وقرأتَ الكتاب: إذا جمعتَ الحروف والكلمات بضمّ بعضها إلى بعض في الذهن وإن لم تتلفّظ بها. (وإنّما يحصل هذا الضمّ في الذهن فحسب). والمراد به الأمر بتلقّي ما يوحيه إليك ملك الوحي من القرآن.[3]
وعلى هذا، إنّ جميع علوم رسول الله صلى الله عليه وآله كانت بواسطة ملائكة الوحي. وقراءتها تعني تثبيتها في الذهن والقلب، والعمل بمقتضاها.
وعلّم رسول الله صلى الله عليه وآله وصيَّه أمير المؤمنين عليه السلام ما كان يعرفه من العلوم. أي: علّمه تلك المعاني النوريّة والمدركات القدسيّة العالية التي اوحيت إليه صلى الله عليه وآله بواسطة أعظم مَلَك من ملائكة الله تعالى، وهو جبرائيل أو الروح. وذكر أمير المؤمنين عليه السلام ذلك في آخر الخطبة القاصعة، فقال: وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ مِنْ لَدُنْ كَانَ فَطِيماً أعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ المَكَارِمِ ومَحَاسِنِ أخْلَاقِ العَالَمِ لَيْلَهُ ونَهَارَهُ. ولَقَدْ كُنْتُ أتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الفَصِيلِ أثَرَ امِّهِ. يَرْفَعُ لِي في كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أخْلَاقِهِ عَلَماً ويَأمُرُنِي بِالاقْتِدَاءِ بِهِ. ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ في كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ[4] فَأرَاهُ ولَا يَرَاهُ غَيْرِي. ولَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ في الإسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وخَدِيجَةَ وأنَا ثَالِثُهُما. أرَى نُورَ الوَحْيُ والرِّسَالَةِ، وأشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ.
وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ علَيْهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ أيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ. إنَّكَ تَسْمَعُ مَا أسْمَعُ وتَرَى مَا أرَى إلَّا أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيّ ولَكِنَّكَ وَزيرٌ، وإنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ.[5]
[1] الآيات 1 إلى 5، من السورة 96: العلق.
[2] تفسير «الصافي»، ص 569، الطبعة الحجريّة، وفي الطبعة الحروفيّة: ج 4، ص 348.
[3] «الميزان في تفسير القرآن» ج 20، ص 460 و461.
[4] حِراء بكسر الحاء جبل من جبال النور قرب مكّة المكرّمة. وفيه غار كان رسول الله يقضي أوقات عزلته وخلوته فيه قبل بعثته. تشرّفت مرّة بزيارة هذا الغار، فوجدته غاراً عجيباً حقّاً من حيث الموقع والاختيار، لأنّه وإن كان صغيراً لا يكفي إلّا لاثنين يصلّيان فيه، وكان سقفه واطئاً، بَيدَ أنّه يقع في قمّة أحد الجبال المتّصلة بعضها ببعض. وطريقه وعر جدّاً. وتقدّر المسافة بين سفح الجبل والقمّة التي يقع فيها الغار ساعة تقريباً. وإنّ القسم الثالث من أعلاه المتّصل بالغار وعر جدّاً. فلا له جادّة ولا طريق جبليّ. وما على المرء إلّا أن يسير على أحجار زلقة حتى يصل إليه. وما لم يذهب الإنسان ويراه بعينه، فلا يمكنه أن يدرك عظمة رسول الله وجلالة مقامه وأمره إذ كان يترك الكعبة والمسجد الحرام ليبتعد عن المجتمع المكّيّ المسموم يومئذٍ، فيقطع فرسخاً واحداً عن مكّة، فيأتيه ليناجي ربّه الليالي والأيّام وحده.
[5] «نهج البلاغة» ج 1، ص 392 و393، الخطبة 190، القسم الخامس منها، طبعة مصر وتعليق عبده.