قال ابن أبي الحديد في شرح هذه الفقرات: روى الطبريّ في تاريخه بسنده عن المنهال بن عُمَر، وعن عبد الله بن عبد الله، قال: سمعتُ عليّاً عليه السلام يقول: أنَا عَبْدُ اللهِ، وأخُو رَسُولِهِ، وأنَا الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ، لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إلَّا كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، صَلَّيْتُ قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِ سِنِينَ.[1]
وفي غير رواية الطبريّ: أنَا الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ والفَارُوقُ الأوَّلُ، أسْلَمْتُ قَبْلَ إسْلَامِ أبِي بَكْرٍ وصَلَّيْتُ قَبْلَ صَلَاتِهِ بِسَبْعِ سِنِينَ.[2]
وقال ابن أبي الحديد هنا: كأنّه عليه السلام لم يرتض أن يذكر عمر، ولا رآه أهلًا للمقايسة بينه وبينه، وذلك لأنّ إسلام عمر كان متأخّراً.[3]
وذكر قائلًا: روى الفضل بن عبّاس قال: سألتُ أبي عن ولد رسول الله صلى الله عليه وآله الذكور، أيّهم كان رسول الله صلى الله عليه وآله له أشدّ حبّاً؟ فقال: عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فقلتُ له: سألتك عن بنيه! فقال: إنّه كان أحبّ عليه من بنيه جميعاً وأرأف، ما رأيناه زايله يوماً من الدهر منذ كان طفلًا، إلّا أن يكون في سفر لخديجة، وما رأينا أباً أبرّ بابن منه لعليّ، ولا ابناً أطوع لأبٍ من عليّ له.[4]
وروى الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين عليه السلام قال: سمعتُ زيداً أبي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمضغ اللحمة والتمرة حتّى تلين، ويجعلهما في فم عليّ عليه السلام وهو صغير في حجره. وكذلك كان أبي عليّ بن الحسين عليه السلام يفعل بي. ولقد كان يأخذ الشيء من الورك وهو شديد الحرارة، فيبرّده في الهواء، أو ينفخ عليه حتى يبرد، ثمّ يلقمنيه، أ فيشفق عَلَيّ من حرارة لقمة ولا يشفق عَلَيّ من النار؟ لو كان أخي إماماً بالوصيّة كما يزعم هؤلاء، لكان أبي أفضى بذلك إليّ ووقانى من حرّ جهنّم.[5]
وروى أنّ بعض أصحاب أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام سأله عن قول الله عزّ وجلّ: إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، فقال عليه السلام: يوكّل الله تعالى بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم، ويؤدّون إليه تبليغهم الرسالة، ووكّل بمحمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلّم مَلَكاً عظيماً منذ فُصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق، ويصدّه عن الشرّ ومساوئ الأخلاق، وهو الذي كان يناديه: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ، وهو شابٌّ لم يبلغ درجة الرسالة بعدُ، فيظنّ أنّ ذلك من الحجر والأرض، فيتأمّل، فلا يرى شيئاً.[6]
لقد تكفّل رسول الله صلى الله عليه وآله بشؤون مولى الموحّدين وأمير المؤمنين عليه السلام منذ ولادته، ووضعه أبو طالب وفاطمة بنت أسد في حجر رسول الله، وتلا هو عليه السلام سورة «المؤمنون»، ولم يتولّ النبيّ شئونه الظاهريّة والبدنيّة فحسب، بل تولّى شئونه المعنويّة والروحيّة ونموّه العقليّ بنحو أكمل وأتمّ، وعلّمه العلوم الغيبيّة وأطلعه على الضمائر والخواطر والحوادث والوقائع الماضية والحاضرة والقادمة، والواقعة في كلّ مكان. ومن الواضح أنّ تعليم مثل هذه العلوم ليس كتعليم العلوم الظاهريّة التي يكون الذهن مركزها، إذ تنقل الموضوعات إلى الذهن تدريجيّاً بواسطة الذاكرة والقوّة المفكّرة والواهمة والحسّ المشترك، ثمّ تخزن ويحافظ عليها. لا، ليس كذلك، بل يتحقّق تعليمها من خلال تصفية الباطن وتنوير البصيرة، إذ يرتفع حجاب الزمان والمكان في الجملة عبر تحصيل التجرّد، وينظر الإنسان إلى الوقائع والحوادث من وراء هذين التعيّنينِ والتقييدينِ، ويشاهد ما كان وما يكون وما هو كائن ثابتاً وحاضراً.
و من الطبيعيّ أنّ مقام الإمام أعلى ممّا ذكرناه. فهو قد بلغ مقام التجرّد المطلق. وبالجملة، رُفعت الحجب المعنويّة أيضاً من أمام بصيرته، واجتاز الحجب العقليّة والنفسيّة، وانتهت أسفاره الأربعة، فهو لا يحيط بعالم الطبع والمثال فحسب، بل يحيط بعالم العقل والنفس والموجودات العقلانيّة. بَيدَ أنّ هذا القدر من كشف الحجب المثاليّة والبر زخيّة التي تستلزم الاطّلاع على ضمائر العالم ومغيّباته موجود فيه. فهو حاضر في كلّ مكان، ويراقب جميع الأشياء.
[1] «شرح نهج البلاغة» ج 13، ص 200، طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة.
[2] المصدر السابق.
[3] المصدر السابق.
[4] المصدر السابق.
[5] «شرح نهج البلاغة» ج 13، ص 200.
[6] «شرح نهج البلاغة» ج 13، ص 207.