قوله عز وجل: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ لا ريب في أنّ لازم رفعه تعالى درجة عبد من عباده مزيد قربه منه تعالى. وهذا قرينة عقليّة على أنّ المراد بهؤلاء الذين اوتوا العلم العلماء من المؤمنين (لا كلّ عالم وإن كان لا يؤمن بالله ورسوله).
فتدلّ الآية على انقسام المؤمنين إلى طائفتين: مؤمن؛ ومؤمن عالم. والمؤمن العالم أفضل. وقد قال تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ.
ويتبيّن بذلك أنّ ما ذكر من رفع الدرجات في الآية مخصوص بالذين اوتوا العلم. ويبقى لسائر المؤمنين درجة واحدة من الرفع. ويكون التقدير: يرفع الله الذين آمنوا منكم درجة ويرفع الذين اوتوا العلم منكم درجات.
وفي الآية من تعظيم أمر العلماء ورفع قدرهم ما لا يخفى. وأكّد الله تعالى الحكم بتذييل الآية بقوله: واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.[1]
لا يرتاب العلماء وأهل الخبرة ولا يمارون في العلوم المختلفة والمتنوّعة التي ظهرت من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فإنّنا نجد في كتب السِيَر والتواريخ والأحاديث والتفاسير والسُّنَن والفقه والقضاء والطبّ والنجوم والفلكيّات وكتب الاقتصاد والمعاملات والمسائل الرياضيّة والعلوم الإلهيّة والحكمة والعرفان والتزكية والأخلاق، وحتى في العلوم العربيّة والأدبيّة والفصاحة والبلاغة والنحو والعروض وغيرها مسائل قد طرحت، ولم يعرضها إلّا أمير المؤمنين عليه السلام، إذ لم تُعهَد قبله. وكلّ من جاء بعده، فقد أخذ منه ورجع إليه واقتبس من أنوار علومه.[2]
وهذا المقام نستفيد ممّا عرضه ابن أبي الحديد في مقدّمة «شرح نهج البلاغة»، وابن شهرآشوب في «مناقب آل أبي طالب».
[1] «الميزان في تفسير القرآن» ج 19، ص 216 و217.
[2] قال آية الله السيّد حسن الصدر في كتاب «الشيعة وفنون الإسلام» ص 49: وقيل الشروع في الكلام عن تقدّم الشيعة في علوم القرآن لا بدّ من التنبيه على تقدّم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في تقسيم علوم القرآن، فإنّه أملى ستّين نوعاً من أنواع علوم القرآن وذكر لكلّ نوع مثالًا يخصّه، وذلك في كتاب نرويه عنه من عدّة طرق، موجود بأيدينا إلى اليوم. وهو الأصل لكلّ مَن كتب في أنواع علوم القرآن.