منهم: المفسّرون كعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن مسعود، وابيّ ابن كعب، وزيد بن ثابت. وهم معترفون له عليه السلام بالتقدّم.[1]
وورد في تفسير النقّاش أنّ ابن عبّاس قال: جُلُّ مَا تَعَلَّمْتُ مِنَ التَّفْسِيرِ مِنْ عَلِي بْنِ أبِي طَالِبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ. إنَّ القُرْآنَ انْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، مَا مِنْهَا إلَّا ولَهُ ظَهْرٌ وبَطْنٌ. وإنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ عَلِمَ الظَّاهِرَ والبَاطِنَ.
وجاء في «الفضائل» للعكبريّ أنّ الشعبيّ قال: مَا أحَدٌ أعْلَمَ بِكِتَابِ اللهِ بَعْدَ نَبِيّ اللهِ مِنْ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.
وفي «تاريخ البلاذريّ»، و«حِلْيَة الأولياء»: قال عليّ عليه السلام: واللهِ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ إلَّا وقَدْ عَلِمْتُ فِيمَا نَزَلَتْ وأيْنَ نَزَلَتْ، أ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أوْ بِنَهَارٍ نَزَلَتْ، في سَهْلٍ أوْ جَبَلٍ؟ إنَّ رَبِّي وَهَبَ لِي قَلْبَاً عَقُولًا ولِسَاناً سَؤُولًا.[2]
وورد في «قوت القلوب»: قال عليّ عليه السلام: لَوْ شِئْتُ لأوْقَرْتُ سَبْعِينَ بَعِيرَاً في تَفْسِيرِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ.[3]
ولمّا وجد المفسّرون قوله عليه السلام، لم يرجعوا إلى قول غيره في التفسير. وسأله ابن الكوّاء، وهو على المنبر: مَا الذَّارِياتِ ذَرْواً ؟ فقال: الرِّيَاحُ. فقال: ومَا فَالْحامِلاتِ وِقْراً ؟ فقال: السَّحَابُ. فقال: ومَا فَالْجارِياتِ يُسْراً ؟ فقال: الفُلْكُ. فقال: مَا فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً ؟ فقال: المَلَائِكَةُ. فالمفسّرون كلّهم على قوله عليه السلام.[4]
هذه الآيات في أوّل سورة الذاريات: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، والذَّارِياتِ ذَرْواً، فَالْحامِلاتِ وِقْراً، فَالْجارِياتِ يُسْراً، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً، إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ، وإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ.[5]
قال العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله نفسه الزكيّة في التفسير: الذَّارِياتِ جمع الذَّارِيَة من قولهم: ذَرَتِ الرِّيحُ التُّرَابَ تَذْرُوهُ ذَرْوَاً إذا أطارته. والوِقْرُ بالكسر فالسكون ثقل الحمل في الظهر أو في البطن. وفي الآيات إقسام بعد إقسام يفيد التأكيد بعد التأكيد للمقسم عليه وهو الجزاء على الأعمال. فقوله: والذَّارِياتِ ذَرْواً إقسام بالرياح المثيرة للتراب.
وقوله: فَالْحامِلاتِ وِقْراً بالفاء المفيدة للتأخير والترتيب معطوف على الذَّارِيَاتِ وإقسام بالسحب الحاملة لثقل الماء، وقوله: فَالْجارِياتِ يُسْراً عطف عليه وإقسام بالسفن الجارية في البحار بيُسر وسهولة. وقوله: فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً عطف على ما سبقه وإقسام بالملائكة الذين يعملون بأمره فيقسمونه باختلاف مقاماتهم. فانّ أمر ذي العرش بالخلق والتدبير واحد. فاذا حمله طائفة من الملائكة على اختلاف أعمالهم، انشعب الأمر وتقسّم بتقسّمهم. ثمّ إذا حمله طائفة هي دون الطائفة الاولى، تقسّم ثانياً بتقسّمهم، وهكذا حتى ينتهي إلى الملائكة المباشرين للحوادث الكونيّة الجزئيّة فينقسم بانقسامها ويتكثّر بتكثّرها.
والآيات الأربع -كما ترى- تشير إلى عامّة التدبير حيث ذكرت انموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في البرّ، وهو الذَّارِياتِ ذَرْواً. وانموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في البحر، وهو فَالْجارِياتِ يُسْراً. وانموذجاً ممّا يدبّر به الأمر في الجوّ، وهو فَالْحامِلاتِ وِقْراً. وتمّم الجميع بالملائكة الذين هم وسائط التدبير، وهم فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً.
فالآيات في معنى أن يقال: اقسم بعامّة الأسباب التي يتمّم بها أمر التدبير في العالم إنّ كذا كذا، وقد ورد من طرق الخاصّة والعامّة عن عليّ عليه أفضل السلام تفسير الآيات الأربع بما تقدّم.[6]
وروى ابن كثير الدمشقيّ في تفسيره عن شعبة بن الحجّاج، عن السمّاك، عن خالد بن عرعرة، وكذلك روى بسند آخر عن شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل أنّهم سمعوا عليّ بن أبي طالب، وثبت أيضاً من طرق اخرى غير هذين السندين، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنّه صعد منبر الكوفة فقال: لَا تَسْألُونِي عَنْ آيَةٍ في كِتَابِ اللهِ تعالى ولَا عَنْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ إلَّا أنْبَأتُكُمْ بِذَلِكَ.
فقام إليه ابن الكوّاء، وقال: يا أمير المؤمنين! ما معنى قوله تعالى: والذَّارِياتِ ذَرْواً؟ فقال عليّ رضي الله عنه: الرِّيحُ. فقال: ما معنى فَالْحامِلاتِ وِقْراً؟ فقال عليّ رضي الله عنه: السَّحَابُ. قال: فما معنى فَالْجارِياتِ يُسْراً؟ قال عليّ رضي الله عنه: السُّفن. قال: فما معنى فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً؟ قال عليّ رضي الله عنه: المَلَائِكَةُ.[7]
و أخرج السيوطيّ في تفسير «الدرّ المنثور» تفسير هذه المعاني الأربعة في الآيات الأربع عن عليّ بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسلام عن عبد الرزّاق، والفريابيّ، وسعيد بن منصور، والحارث بن أبي اسامة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباريّ في «المصاحف» والحاكم وصحّحه، والبيهقيّ في «شعب الإيمان» من طرق مختلفة.[8]
[1] روى في «غاية المرام» القسم الثاني، ص 513، الحديث 26، عن السيّد ابن طاووس في كتاب «سعد السعود» عن طريق العامّة، عن أبي حامد الغزّاليّ، قال عليّ عليه السلام لمّا حكى عهد موسى: إنّ شرح كتابه كان أربعين حملًا، لو أذِنَ الله ورسوله لي، لأشرع في شرح معاني ألف الفاتحة حتى يبلغ مثل ذلك، يعني أربعين وقراً أو جملًا. وهذه الكثرة في السعة والإفتاح في العلم لا تكون إلّا لَدُنيّاً سماويّاً إلهيّاً. هذا آخر لفظ محمّد بن محمّد الغزّاليّ في كتاب بيان العلم اللدُنّيّ في وصف مولانا عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله. وروى في الحديث 27 أيضاً عن طريق العامّة، عن السيّد ابن طاووس، عن أبي عمر الزاهد، واسمه محمّد بن عبد الواحد في كتابه بإسناده إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: يا ابن عبّاس! إذا صلّيت عشاء الآخرة، فالحقني إلى الجبّان. قال ابن عبّاس: فصلّيتُ ولحقته، وكانت ليلة مقمرة. فقال لي: ما تفسير الألف من الحمد؟ قلتُ: فما علمتُ حرفاً اجيبه. فتكلّم في تفسيرها ساعة واحدة تامّة. قال: فما تفسير الحاء من الحمد؟ فقلتُ: لا أعلم. فتكلّم فيها ساعة تامّة. ثمّ قال عليه السلام: فما تفسير الميم؟ قال: قلتُ: لا أدري. قال: فتكلّم فيها ساعة تامّة. ثمّ قال: فما تفسير الدال من الحمد؟ قال: قلتُ: لا أدري. فتكلّم فيها إلى برق عمود الفجر. ثمّ قال لي: قُمْ يا ابن عبّاس إلى منزلك وتأهّب لفرضك. قال أبو العبّاس عبد الله بن عبّاس: فقمتُ وقد وعيتُ كلّما قال، ثمّ تفكّرتُ فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ كالقرارة في الثَّعجَر (الغدير وبركة الماء من البحر).
[2] روى ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» ج 3، ص 1107 عن معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل قال: شهدتُ عليّاً يخطب وهو يقول: سَلُونِي، فَو اللهِ لَا تَسْألُونِي عَنْ شَيءٍ، إلَّا أخْبَرْتُكُمْ. وسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللهِ، فَوَ اللهِ مَا مِنْ آيَةٍ إلَّا وأنَا أعْلَمُ أبِلَيْلٍ نَزَلَتْ أمْ بِنَهارٍ، أمْ في سَهْلٍ أمْ في جَبَلٍ.
[3] قال السيّد حيدر الآمليّ قدّس الله سرّه في كتاب «جامع الأسرار ومنبع الأنوار» ص 690، وهو يشرح الحقيقة الكلّيّة: واعلم أنّ هذه الحقيقة (الكلّيّة المتعيّنة بالتعيّن الأوّل) عند التحقيق ليس لها اسم ولا رسم ولا وصف ولا نعت، لأنّ الحقّ التي هي صورته كذلك. .. إلى أن قال في ص 694: و(تسمّى هذه الحقيقة الكلّيّة أيضاً) بالنقطة، لأنّها أوّل نقطة تعيّن بها الوجود المطلق. وسمّى بالوجود المضاف (و ذلك) كنقطة الباء مثلًا فإنّها أوّل نقطة تعيّن بها الألف في مظاهره الحروفيّة، وصار باءً، ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أنا النقطة تحت الباء». وقال: «لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من باء بسم الله الرحمن الرحيم. وقال: «العلم نقطة كثّرها جهلُ الجهلاء». وقال بعض العارفين: بالباء ظهر الوجود، وبالنقطة تميّز العابد عن المعبود. وقال الآخر: ظهر الوجود من باء بسم الله الرحمن الرحيم. وأمثال ذلك كثيرة في هذا الباب. وقد بسطنا الكلام في تفسيرها وتحقيقها في رسالتنا المسمّاة ب- «منتخب التأويل في بيان كتاب الله وحروفه وكلماته وآياته». ويواصل حديثه حتى ص 700 فيقول: وسرّ قوله عليه السلام: «لو شئتُ لأوقرت سبعين بعيراً من باء بسم الله الرحمن الرحيم» شاهد على هذا المعنى، لأنّه لو شاء في تفسير هذا الباء والنقطة المذكورة تحته المتميّز بها عن الألف لم يكن يحمله سبعون بعيراً ولا سبعون ألف بعير، وإلى هذا أشار الشيخ العارف الكامل ابن الفارض المصريّ قدّس الله سرّه في قصيدته التائيّة في قوله:
ولو كنت بي من نقطة الباء خفضة *** . .. (البيت)،
كما شرحه الشيخ العارف عزّ الملّة والدين الكاشيّ رحمة الله عليه. ونقل هنا شرح المولى عبد الرزّاق الكاشانيّ كلّه. وكذلك قال في ص 563: وبالجملة أسرار (البسملة) ليست بقابلة للتقرير والتحرير، ومن هذا المقام قيل: ظهر الوجود من باء بسم الله الرحمن الرحيم. وقيل: بالباء ظهر الوجود، وبالنقطة تميّز العابد عن المعبود. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله لو شئت لأوقرتُ سبعين بعيراً من (شرح) باء بسم الله الرحمن الرحيم». وقال أيضاً: «أنا النقطة تحت الباء» لأنّه كنقطة بالنسبة إلى التعيّن الأوّل الذي هو النور الحقيقيّ المحمّديّ، لقوله: «أوّل ما خلق الله نوري» المسمّى بالرحيم. ولقوله: «أنا وعليّ من نور واحد». إلى آخر ما ذكره في شرح هذه العبارة.
[4] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 267 و268، الطبعة الحجريّة.
[5] الآيات 1 إلى 6، من السورة 51: الذاريات.
[6] «الميزان في تفسير القرآن» ج 18، ص 395 و396.
[7] «تفسير ابن كثير» ج 6، ص 413 و414، طبعة دار الفكر، بيروت.
[8] «الدرّ المنثور» ج 6، ص 111.