لا يُعقل وجود كتاب الله على الأرض، وتكليف الناس بالعمل به ما لم يكن هناك مدرّس ومعلّم يعلم ظاهره وباطنه ومحكمه ومتشابهه. ومن الضروريّ تلازم وجود الثَّقَلَينِ: الكتاب والعترة، الكتاب والإمام البرّ العالم به.
وروى الشيعة والعامّة عن رسول الله صلى الله عليه وآله بسند متواتر، بل يفوق التواتر أنّه قال: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي -أوْ أهْلَ بَيْتِي- وإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.[1]
وخصّص آية الله العلّامة: مير حامد حسين اللكهنويّ الهنديّ النيسابوريّ رضوان الله عليه الجزء الثاني عشر من كتابه الشريف والبديع: «عبقات الأنوار» للبحث حول هذا الحديث المبارك، وقسمه إلى قسمين: جعل الأوّل للبحث في سنده، والثاني للبحث في دلالته.
ولا ريب أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو حامي القرآن وحافظ المحكمات والمتشابهات، والعالم بالمطلق والمقيّد، والناسخ والمنسوخ. وهو الذي أجاب ابن الكوّاء على المنبر أمام آلاف الناس بلا وجل. وهو الذي فتح باب الجدل والكلام، ودعا الملاحدة والزنادقة إلى النقاش، وناظر علماء اليهود والنصارى والجثالقة من الذين كانوا في الطراز الأوّل منهم، وألزمهم وعطفهم إلى الإسلام. ودِرّته لسانه، ومنطقه. تلك الدرّة التي تبتسم، وتتفتّح كالزهرة، وتُدخل الناس الملحدين في الدين، لا الدرّة التي تنفّر المتديّنين من الدين وتكرههم على الفرار.
وينبغي للناس أن يرجعوا إليه، ويلوذوا بجنبه، ويعرضوا عليه مشاكلهم وأسئلتهم بلا خوف ولا رعب ولا تحفّظ. وكان على صُبَيغ أن يكون كأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وأتباعه وشيعته، فيقصده لرفع مشاكله العلميّة، ويأخذ منه الجواب التامّ الوافي الشافي، ويروي غليله من معدن الولاية، ومنهل العلم والمعرفة. ولقد أخطأ إذ قصد مائدة غيره وصَبوحَه،[2] وشبع منها. فلهذا كانت تلك الصفعات المتوالية الماحقة الساحقة على رأسه ذي الضفائر من اللوازم لا تبارح تلك المائدة. وقد أشفق الله عليه إذ كان رأسه غير محلوق، وإلّا لقطع، واشخص إلى ديار العدم.
إن ما كتبه عمر إلى أبي موسى الأشعريّ حقّ، إذ قال له: إنَّ صُبَيْغَاً قَدِ ابْتَغَى العِلْمَ وأخْطَأهُ. إنّه ابتغى العلم بَيدَ أنّه لم يعرف كيف يحصل عليه، ومن أين يأخذه، ولأيّ معلّم وأميرٍ للمؤمنين يتوجّه؟ هل يتوجّه لشخصٍ لقّبه المغيرة بن شعبة: أمير المؤمنين، وأمر الناس مجازاً واعتباراً أن ينادوه بهذا اللقب ويخاطبوه به؟ أو يتوجّه لأمير المؤمنين الحقيقيّ الذي لقّبه الرسول الأكرم به من الله، ووضعه وساماً لأسد الولاية، وأمر المسلمين والمسلمات كافّة يوم غدير خُمّ أن يخاطبوه ب-: أمير المؤمنين، ويسلّموا عليه بهذا اللقب قائلين: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أميرَ المُؤْمِنِينَ.
وأنّ عمر وأبا بكر أنفسهما قالا له: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، بَخٍ بَخٍ لَكَ يَا عَلِيّ، أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلَايَ ومَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.
وتستبين لنا جيّداً هنا -لا مفهوماً وعلى حمل الأوّلي الذاتيّ بل مصداقاً وعلى حمل الشائع الصناعيّ- صيحات أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين واستغاثاته في خطبه ومواعظه بخاصّة في خطب «نهج البلاغة» ولسان حاله يقول: أيّها الناس هلمّوا إلينا، وخذوا منّا، فانّ العلم والمعرفة والنور والسرور والحبور والحياة الأبديّة السرمديّة عندنا. لا تيمّموا غيرنا فتبوءُوا صفر اليدين خائبين خاسرين، مُرهَقين مُنهكين، أخلِياء الوفاض، فاقدي رصيد أعماركم، وتصلون إلى السراب بدل أن تصلوا إلى الماء المعين. وفي نهاية المطاف تضيّعون أعماركم وما وهبكم الله حيث ينبغي عليكم الرحيل من هنا العالم بعد أن هِمتُم بموجود مظلم قبيح عفن.
ونعود إلى كلام ابن شهرآشوب في بيان سبق أمير المؤمنين عليه السلام كافّة الناس في جميع العلوم. يقول: وجهلوا تفسير قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ،[3] فقال له رجل: هو أوّل بيتٍ، قَالَ: لَا، قَدْ كَانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ ولَكِنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ مُبَارَكاً فِيهِ الهُدَى والرَّحْمَةُ والبَرَكَةُ. وأوَّلُ مَنْ بَنَاهُ إبْرَاهِيمُ، ثُمَّ بَنَاهُ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِنْ جُرْهُمَ، ثُمَّ هُدِمَ فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ.[4]
وإنّما استُحسن قول ابن عبّاس فيه لأنّه أخذ منه عليه السلام.[5] وقال أحمد في مسنده: لمّا تُوفّي النبيّ صلى الله عليه وآله، كان ابن عبّاس ابن عشر سنين، وكان قرأ المُحكَم يعني المفصّل.[6] وقال الصاحب بن عبّاد:
هَلْ مِثلُ عِلْمِكَ لَوْ زَلُّوا وإنْ وَهَنُوا *** وقَدْ هُدِيتَ كَمَا أصْبَحْتَ تَهْدِينَا؟
[1] رواه أحمد بن حنبل بهذا اللفظ في مسنده بطريقين: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وأهْلَ بَيتِي، وإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. وكذلك رواه أحمد في مسنده، والطبرانيّ في معجمه الكبير، وصاحب «كنز العمّال» ج 1، ص 47، 48، بهذا اللفظ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ، وعِتْرَتِي أهل بَيْتي، وإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. وروى الشيخ الصدوق القمّيّ باسناده عن الحسين بن يزيد بن عبد عليّ، عن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن الإمام الحسن عليه السلام قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه: معاشر الناس! كأنّي ادعى فأجيب، وإنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، أمَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا، فَتَعَلَّمُوا مِنْهُمْ ولَا تُعَلِّمُوهُمْ فَانَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ. لَا تَخْلُو الأرْضُ مِنْهُمْ، ولَوْ خَلَتْ لَانْسَاخَتْ بِأهْلِهَا- الخطبة («غاية المرام» ص 236، الحديث الحادي عشر؛ و«تفسير البرهان» ج 1، ص 517 و518). ورواه ما يزيد على ثلاثين من الصحابة. وإذا عدونا علماء الشيعة ومصنّفاتهم الموثوقة، فقد رواه ما يربو على مائتين من علماء العامّة الكبار بألفاظ مختلفة. وورد في ما ينيف على خمسمائة كتاب من كتبهم المعتبرة. («عبقات الأنوار» مقدّمة الطبعة، الجزء الأوّل من المجلّد الثاني عشر، القسم الأوّل مقابل الصفحة الاولى؛ فهرس مصادر سند حديث الثقلين من ص 1165 إلى 1188، من ملحق طبعة الجزء الأخير من المجلّد الثاني عشر).
[2] كل ما اكل أو شُرب صباحاً. (المنجد).
[3] الآية 96، من السورة 3: آل عمران: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وهُدىً لِلْعالَمِينَ ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ومَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
[4] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 268، الطبعة الحجريّة.
[5] المصدر السابق.
[6] المصدر السابق.