قال الله الحكيم في كتابه الكريم: وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ، وما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ، بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ.[1]
وكذلك (يكون الإسلام للّه، وتصديق كتبه ورسله)... فالذين آتيناهم الكتاب، وهم أهل الكتاب (اليهود والنصارى، وهؤلاء بحسب طبعهم يؤمنون بالله وكتبه ورسله)... وعلى هذا فحقيقة القرآن ليست بكلام يجري على اللسان، ولا بكلمات تكتب خطّيّاً، بل هو آيات بيّنات في صدور اولي العلم. وصدور اولي الألباب كنز الذخائر ودفينة النفائس لعلوم القرآن وحكمه ومعارفه.
وقد أجمعت الامّة على أنّ صدور الصحابة والتابعين والمخَضرمين وسائر العلماء الإلهيّين والحكماء الربّانيّين وأولياء الله، حتى الأنبياء السابقين والأوصياء الماضين لم تكن كصدر أمير المؤمنين عليه السلام في سعته وقابليّته لحمل العلوم والمعارف الباطنيّة والأسرار السبحانيّة وخفايا ورموز النبوّة والولاية. وكأنّ القرآن عُجن بوجوده، واختمر بجبلّته وطينته، وانطوت حقيقة القرآن في حقيقة وجوده.[2]
قال ابن شهرآشوب: روى ابن أبي البُخْتَريّ من ستّة طرق، وابن المفضّل من عشر طرق، وإبراهيم الثقفيّ من أربعة عشر طريقاً منهم: عديّ بن حاتم، والأصبغ بن نُباتة، وعلقمة بن قيس، ويحيى بن امّ الطويل، وزَرّ بن حُبَيش، وعَباية بن ربعيّ، وعَباية بن رفاعة، وأبو الطُّفيل أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال بحضرة المهاجرين والأنصار، وأشار إلى صدره:
كَيْفَ مُلِئَ عِلْمَاً؟ لَوْ وَجدتُ لَهُ طَالِباً. سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي. هَذَا سَفَطُ[3] العِلْمِ، هَذَا لُعَابُ رَسُولِ اللهِ، هَذَا مَا زَقَّنِي رَسُولُ اللهِ زَقَّاً، فَاسْألُونِي فَانَّ عِنْدِي عِلْمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.
أمَا واللهِ لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الوِسَادَةُ[4] ثُمَّ اجْلِسْتُ عَلَيْهَا، لَحَكَمْتُ بَيْنَ أهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وبَيْنَ أهْلِ الإنْجِيلِ بِانجِيلِهِمْ، وبَيْنَ أهْلِ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ، وبَيْنَ أهْلِ الفُرْقَانِ بِفُرْقَانِهِمْ، حتى يُنَادِيَ كُلُّ كِتَابٍ بِأنَّ عَلِيَّاً قَضَى بِحُكْمِ اللهِ في.
وَفي رِوَايَةٍ: حتى يُنْطِقَ اللهُ التَّوْرَاةَ والإنْجِيلَ. وفي رِوَايَةٍ: حتى يَزْهَرَ كُلُّ كِتَابٍ مِنْ هَذِهِ الكُتُبِ ويَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ عَلِيَّاً قَضَى بِقَضَائِكَ.
ثُمَّ قَالَ: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، فَوَ الذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ لَوْ سَألْتُمُونِي عَنْ آيَةٍ آيَةٍ في لَيْلَةٍ انْزِلَتْ أوْ في نَهَارٍ انْزِلَتْ؟ مَكِّيَّهَا ومَدَنِيِّهَا؟ وسَفَرِيِّهَا وحَضَرِيِّهَا؟ نَاسِخِهَا ومَنْسُوخِهَا؟ ومُحْكَمِهَا ومُتَشَابِهِهِا؟ وتَأوِيلِهَا وتَنْزِيلِهَا؟ لأخْبَرْتُكُمْ.
وقال ابن العوديّ:
وَ مَنْ ذَا يُسَامِيهِ بِمَجْدٍ ولَمْ يَزَلْ *** يَقُولُ: سَلُونِي مَا يَحِلُّ ويَحْرُمُ
سَلُونِي فَفِي جَنْبَيّ عِلْمٌ وَرِثْتُهُ *** عَنِ المُصْطَفَى مَا فَاتَ مِنِّي بِهِ الفَمُ
سَلُونِي عَنْ طُرْقِ السَّمَاوَاتِ إنَّني *** بِهَا عَنْ سُلُوكِ الطُّرْقِ في الأرْضِ أعْلَمُ
وَ لَوْ كَشَفَ اللهُ الغِطَا لَمْ أزِد بِهِ *** يَقِينَاً عَلَى مَا كُنْتُ أدْرِي وأفْهَمُ
[1] الآيات 47 إلى 49، من السورة 29: العنكبوت.
[2] قال المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتاب «الإمام جعفر الصادق» ص 288: يقول الشافعيّ عن مكانة عليّ في علوم الإسلام: كان عليّ كرّم الله وجهه قد خُصّ بعلم القرآن والفقه، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله دعا له. وأمره أن يقضي بين الناس. وكانت قضاياه ترفع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله فيُمضيها. ولقد آلى على نفسه بعد الفراغ من تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله ألّا يرتدي إلّا للصلاة، أو يجمع القرآن- كما أسلفنا- فجمعه مهتمّاً بامور اصوليّة في الشريعة وفقهها تتعلّق بالمحكم والمتشابه، أي: بما لا يحتمل الاجتهاد، وما يحتمله، وبالنصوص التي نُسخت والتي هي واجبة التطبيق، وبالمطلق منها والذي يحتمل التخصيص، والعزائم والرخص، وبالفروض والمندوبات، وفيها المحرم والمكروه، وما هو تهذيب للُامّة من فضائل وآداب. وقال في الهامش: بهذا كان عليّ إمام المفسّرين. قال سعيد بن جُبير: قلتُ لابن عبّاس: ألِمَنْ قتل مؤمناً متعمّداً توبة؟ قال: لا. فتلوتُ عليه الآية التي في «الفرقان». قال: هذه مكّيّة، نسختها آية مدنيّة: ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها. ورووا أنّ ابن عبّاس ناظر عليّاً في الآية. فقال عليّ: من أين لك أنّها محكمة؟ قال: تكاثف الوعيد. قال عليّ: إنّ الله نسخها بآيتين آية قبلها وآية بعدها في النظم. الاولي: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ومَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً. وأمّا التي بعدها في النظم، فهي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ومَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً. والمفسّرون يضيفون إلى الآيات قوله تعالى: والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ - إلى قوله تعالى: ويَخْلدُ فِيهِ مُهَاناً. ثمّ استثنى بقوله: إِلَّا مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً. هنا لكم صدق ابن عبّاس عند ما سئل عن علمه وعلم ابن عمّه (عليّ) فقال: كالقطرة إلى جوار البحر المحيط.
[3] وعاء كالقُفّة أو الجوالق.
[4] قوله: لو ثُنِيَتْ لِيَ الوِسَادَةُ كناية عن تولّى شئون الحكومة والإمامة. لأنّ الوسادة هي ما يُتّكأ عليها. وكانت تُثني- عادةً- من وسطها للحكّام والأمراء وتوضع لهم لكي يكون مسندهم أفضل. وثنى الوسادة عطفها وطويها. فلهذا أراد الإمام من هذه العبارة أن يقول: أنا الآن لستُ متصدّراً للحكم، ولو اجلست في مسنده، أي يسلّم الناس لأمري، ويكون مسندي في الحكم وطيداً، فانّي أحكم بين أهل كلّ كتاب بكتابهم. ويبيّن الإمام هنا سعة علمه وتمكّنه منه بدرجة عالية رفيعة لا تعلوها درجة، ولا يُتَصَوَّرُ حدٌّ أعلى منها.