أراد كثير من الأشخاص بعد أمير المؤمنين عليه السلام أن يتشدّقوا بقولهم: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، وسَلُوا عَمَّا شِئْتُمْ، ونظائرهما، لكنّهم افحموا وادينوا.
فقد روى الزمخشريّ في «الكشّاف» عن قتادة أنّه لمّا دخل الكوفة، التفّ عليه الناس، فقال: سَلُوا عَمَّا شِئْتُمْ. فقال أبو حنيفة وكان شابّاً: سلوه عن النملة التي كلّمت سليمان أ ذكراً كانت أم انثى؟ فسألوه، فافحم.
فقال أبو حنيفة: كانت انثى. فقيل: كيف لك ذلك؟ قال: لأنّ الله عزّ وجلّ قال: قالَتْ نَمْلَةٌ، ولو كانت ذكراً لقال: قَالَ نَمْلَةٌ. قال أحمد: لا أدري العجب منه أم من أبي حنيفة أن يثبت ذلك عنه، وذلك أنّ النملة كالحمامة والشاة تقع على الذكر وعلى الانثى، لأنّه اسم جنس. يقال: نملة ذكر، ونملة انثى كما يقولون: حَمَامَةٌ ذَكَرٌ، وحَمَامَةٌ انثَى، وهُوَ وهِيَ.[1]
ونقل المجلسيّ رضوان الله عليه في «بحار الأنوار» عن ابن الحاجب في بعض تصانيفه أنّه قال: إنّ تأنيث مثل الشاة والحمامة والنملة من الحيوانات تأنيث لفظيّ. ولذلك كان قول من زعم أنّ النملة في قوله تعالى قالَتْ نَمْلَةٌ انثى لورود تاء التأنيث في «قالت» وهما الجوازان، يكون مذكّراً في الحقيقة، وورود تاء التأنيث كورودها في فعل المؤنّث اللفظيّ.
ولذا قيل: إفْحَامُ قَتَادَةَ خَيْرٌ مِنْ جَوَابِ أبِي حَنِيفَةَ. ثمّ قال المجلسيّ: هذا (كلام ابن الحاجب) هو الحقّ، وقد ارتضاه الرضيّ رضي الله عنه وغيره. والحمد للّه الذي فضح من أراد أن يدّعي رتبة أمير المؤمنين عليه السلام بهذه البضاعة من العلم، هذا الناصبيّ الآخر الذي أراد أعوانه إثبات علوّ شأنه بأنّه تكلّم في بدو شبابه بمثل ذلك (سلوني).[2]
ونقل المجلسيّ رحمه الله عن كتاب «الصراط المستقيم» للبياضيّ العامليّ، وغيره من الكتب أنّ ابن الجوزيّ قال يوماً على المنبر: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي. فسألته امرأة عمّا روى أنّ عليّاً عليه السلام سار من المدينة إلى المدائن في ليلة فجهز سلمان وكفّنه ودفنه ورجع، فقال: رُوي ذلك. قالت: فعثمان ثَمَّ ثلاثة أيّام منبوذاً في المزابل، وعليّ عليه السلام حاضر. قال: نعم.
قالت: فقد لزم الخطأ لأحدهما (إمّا عليّ بن أبي طالب أو عثمان). فقال: إن كنتِ خرجتِ من بيتك بغير إذن زوجكِ فعليكِ لعنة الله، وإلّا فَعَلَيْهِ. فقالت: خرجت عائشة إلى حرب عليّ عليه السلام بإذن النبيّ صلى الله عليه وآله أو لا؟[3] فانقطع ولم يُحِرْ جواباً.[4]
[1] تفسير «الكشّاف» ج 2، ص 140، الطبعة الاولى، مصر، مطبعة الشرفيّة، في ذيل الآية المباركة 18، من السورة 27: النمل: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهُمْ لا يَشْعُرُونَ. وذكر الدميريّ هذه القضيّة أيضاً في «حياة الحيوان» في أواخر الكتاب، باب النون، مادّة نمل، الطبعة الحجريّة.
[2] «بحار الأنوار» ج 5، ص 355، طبعة الكمبانيّ، باب تفسير قوله تعالى: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والْأَعْناقِ.
[3] أرادت المرأة أن تقول له: إذا كانت عائشة- على قولك- قد خرجت بغير إذن رسول الله، فعليها لعنة الله، وإلّا فعليه[ نعوذ بالله]. ولمّا كنّا نقرّ أنا وإيّاك أنّ اللعنة لا تَرِد على رسول الله، فانّ عائشة خرجت بغير إذنه، فعليها لعنة الله. ولمّا كان ابن الجوزيّ من علماء العامّة، وكان يقدّس عائشة، فلهذا عدّتها المرأة المذكورة بكلامها ملعونة مطرودة من رحمة الله، وابن الجوزيّ لم يحر جواباً.
[4] «بحار الأنوار» ج 8، ص 183 باب شكاية أمير المؤمنين عمّن تقدّمه، طبعة الكمبانيّ.