قوله عليه السلام: لَا تَسْألُونِي عَنْ آيَةٍ في كِتَابِ اللهِ تعالى ولَا سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ إلَّا أنْبَأتُكُمْ بِذَلِكَ.[1]
وقوله عليه السلام: سَلُونِي، واللهِ لَا تسألُونِي عَنْ شَيءٍ يَكُونُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إلَّا أخْبَرْتُكُمْ، وسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللهِ، فَوَ اللهِ مَا مِنْ آيَةٍ إلَّا وأنَا أعْلَمُ أبِلَيْلٍ نَزَلَتْ أمْ بِنَهَارٍ في سَهْلٍ أمْ في جَبَلٍ.[2] وقوله عليه السلام: ألَا رَجُلٌ يَسْألُ فَيَنْتَفِعَ ويَنْفَعَ جُلَسَاءَهُ؟[3]
وقوله عليه السلام: واللهِ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ إلَّا وقَدْ عَلِمْتُ فِيمَ انْزِلَتْ، وأيْنَ انْزِلَتْ، إنَّ رَبِّي وَهَبَ لِي قَلْبَاً عَقُولًا، ولِسَاناً سُؤُولًا.[4]
وقوله عليه السلام: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، سَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللهِ، ومَا مِنْ آيَةٍ إلَّا وأنَا أعْلَمُ حَيْثُ انْزِلَتْ بِحَضِيضِ جَبَلٍ أوْ سَهْلِ أرْضٍ. وسَلُونِي عَنِ الفِتَنِ، فَمَا مِنْ فِتْنَةٍ إلَّا وقَدْ عَلِمْتُ مَنْ كَسَبَهَا ومَنْ يُقْتَلُ فِيهَا.[5]
وقوله عليه السلام: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، فَانَّمَا بَيْنَ الجَوَانِحِ مِنِّي عِلْمٌ جَمٌّ. هَذَا سَفَطُ العِلْمِ، هَذَا لُعَابُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، هَذَا مَا زَقَّنِي رَسُولُ اللهِ زَقَّاً زَقَّاً. فَوَ اللهِ لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الوِسَادَةُ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا، لأفْتَيْتُ أهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وأهْلَ الإنْجِيلِ بِانْجِيلِهِمْ، حَتَّى يُنْطِقُ اللهُ التَّوْرَاةَ والإنْجِيلَ فَيَقُولَانِ: صَدَقَ عَلِيّ قَدْ أفْتَاكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللهُ في وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أ فَلَا تَعْقِلُونَ؟
قال أمير المؤمنين عليه السلام هذا الكلام وهو على منبر الكوفة، وعليه مدرعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وهو متقلّد بسيفه، ومتعمّم بعمامته صلى الله عليه وآله وسلّم، فجلس على المنبر، وكشف عن بطنه، وأشار إلى العلم المذخور فيها.
وقال سعيد بن المسيِّب: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُولُ: سَلُونِي إلَّا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ.[6] وكَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْألَةٍ يَكُونُ فِيهَا كَالسِّكَّةِ المُحْمَاةِ ويَقُولُ:[7]
إذَا المُشْكِلَاتُ تَصَدَّيْنَ لِي *** كَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرْ
فَانْ بَرِقَتْ في مَخِيلِ الصَّوَابِ *** عَمْيَاءُ لَا يَجْتَلِيهَا البَصَرْ
مُقَنَّعَةً بِغُيُوبِ الامُورِ *** وَضَعْتُ عَلَيْهَا صَحِيحَ الفِكَرْ
لِسَاناً كَشِقْشِقَةِ الأرْحَبِيّ *** أوْ كَالحُسَامِ اليَمَانِيّ الذَّكَرْ
وَقَلْبَاً إذَا اسْتَنْطَقَتْهُ الفُنُونُ *** أبَرَّ عَلَيْهَا بِوَاهٍ دُرَرْ
وَلَسْتُ بِإمَّعَةٍ[8] في الرِّجَالِ *** يُسَائِلُ هَذَا وذَا مَا الخَبَرْ
وَلَكِنَّنِي مِذْرَبُ الأصْغَرَيْنِ *** ابينُ مَعَ مَا مَضَى، مَا غَبَرْ[9]
لفت نظر
لم أر في التأريخ قبل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام من عرض نفسه لمعضلات المسائل وكراديس الأسئلة، ورفع عقيرته بجأشٍ رابط بين الملأ العلمي بقوله: سَلُونِي، إلّا صنوه النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلّم، فإنّه كان يكثر من قوله: سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ. وقوله: سَلُونِي، سَلُونِي. وقوله: سَلُونِي، ولَا تَسْألُونِي عَنْ شَيءٍ إلَّا أنْبَأتُكُمْ بِهِ.[10] فكما
ورث أمير المؤمنين عليه السلام علمه صلى الله عليه وآله وسلّم ورث مكرمته هذه وغيرها، وهما صنوان في المكارم كلّها.
[1] أخرجه ابن كثير في تفسيره، ج 4، ص 231 من طريقين، وقال: ثبت أيضاً من غير وجه.
[2] أخرجه أبو عمر في «جامع بيان العلم» ج 1، ص 114؛ ومحبّ الدين الطبريّ في «الرياض النضرة» ج 2، ص 198؛ ويوجد في «تاريخ الخلفاء» للسيوطيّ، ص 124؛ و«الإتقان» ج 2، 319؛ و«تهذيب التهذيب» ج 7، ص 338؛ و«فتح الباري» ج 8، ص 485؛ و«عمدة القاري» ج 9، ص 167؛ و«مفتاح السعادة» ج 1، ص 400.
[3] أخرجه أبو عمر في «جامع بيان العلم» ج 1، ص 114؛ وفي مختصره، ص 57.
[4] أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ج 1، ص 67؛ و«مفتاح السعادة» ج 1، ص 400.
[5] أخرجه أحمد بن حنبل، وقال: روى عنه عليه السلام نحو هذا كثيراً. («ينابيع المودّة» ص 274).
[6] أخرجه أحمد بن حنبل في «المناقب»؛ والبغويّ في «المعجم»؛ وأبو عمر في «العلم» ج 1، ص 114؛ وفي مختصره ص 58؛ ومحبّ الدين الطبريّ في «الرياض النضرة» ج 2، ص 198؛ وابن حجر في «الصواعق المحرقة» ص 76.
[7] روى الزبيديّ في «تاج العروس» ج 5، ص 286 في مادّة أمَعَ بسنده المتّصل عن الحارث الأعور أنّ أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن مسألة، فدخل مبادراً، ثمّ خرج في رداء وحذاء، وهو مبتسم، فقيل له: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إنَّكَ كُنْتَ إذَا سُئِلْتَ عَنِ المَسْألَةِ تَكُونُ فِيهَا كَالسِّكَّةِ المُحْمَاةِ؟ قَالَ: إنِّي كُنْتُ حَاقِنَاً، ولَا رَأيَ لِحَاقِنٍ. ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ: إذَا المُشْكِلَاتُ. .. إلى آخر الأبيات.
[8] قال في «تاج العروس» ج 5، ص 268 بعد إيراد أربعة أبيات منها: الإمّعة: المتردّد في غير صنعة. وروى عن ابن مسعود أنّه سئل: ما الإمّعة؟ قال: من يقول: أنَا مَعَ النَّاسِ. وقال الليث: رَجُلٌ إمَّعَةٌ يقول لكلّ أحد: أنا معك.
[9] أخرجها أبو عمر في «العلم» ج 2، ص 113؛ وفي مختصره، ص 170؛ والحافظ العاصميّ في «زين الفتى شرح سورة هل أتي»؛ والقالي في أماليه؛ والحصريّ القيروانيّ في «زهر الآداب» ج 1، ص 38؛ والسيوطيّ في «جمع الجوامع» كما ترتيبه، ج 5، ص 242؛ والزبيدي الحنفيّ في «تاج العروس» ج 5، ص 268 نقلًا عن «الأمالي»؛ وذكر منها البيتين الأخيرين الميدانيّ في «مجمع الأمثال»، ج 2، ص 358.
[10] «صحيح البخاريّ» ج 1، ص 46؛ وج 1، ص 240 و241؛ و«مسند أحمد» ج 1، ص 278؛ و«مسند أبي داود» ص 356.