ما تفوّه بهذا المقال أحد بعد أمير المؤمنين عليه السلام إلّا وقد فُضح ووقع في ربيكة، وأماط بيده الستر عن جهله المطبق، نظير:
1- إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ القرشيّ والي مكّة والمدينة والموسم لهشام بن عبد الملك. حجّ بالناس سنة 107، وخطب بمنى، ثمّ قال: سَلُونِي، فَأنَا ابْنُ الوَحِيدِ، لَا تَسْألُوا أحَداً أعْلَمُ مِنِّي. فقام إليه رجل من أهل العراق، فسأله عن الاضْحِيَّةِ أ واجبة هي؟ فما درى أي شيء يقول له، فنزل عن المنبر.[1]
2- مقاتل بن سليمان. قاتل إبراهيم الحربيّ: قعد مقاتل بن سليمان فقال: سَلُونِى عَمَّا دُونَ العَرْشِ إلَى لَوَايَانَا.[2] فقال له رجل: آدم حين حجّ، مَن حلق رأسه؟ فقال له: ليس هذا من عملكم، ولكنّ الله أراد أن يبتليني بما أعجبتني نفسي.[3]
3- قال سُفيان بن عُيينة: قال مقاتل بن سليمان يوماً: سَلُونِي عَمَّا دُونَ العَرْشِ. فقال له إنسان: يا أبا الحسن! أ رأيتَ الذرّة أو النملة (الذرّة: النملة الصغيرة) أمعاؤها في مقدّمها أو مؤخّرها؟ فبقي الشيخ لا يدري ما يقول له. قال سفيان: فظننت أنّها عقوبة عوقب بها.
4- قال موسى بن هارون الحمّال: بلغني أنّ قتادة قدم الكوفة فجلس في مجلسٍ له، وقال: سَلُونِي عَنْ سُنَنِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ حتى اجِيبَكُمْ. فقال جماعة لأبي حنيفة: قم إليه فسله. فقام إليه، فقال: ما تقول يا أبا الخطّاب في رجل غاب عن أهله، فتزوّجت امرأته، ثمّ قدم زوجها الأوّل فدخل عليها وقال: يا زانية، تزوّجتِ وأنا حيّ؟ ثمّ دخل زوجها الثاني، فقال لها: تزوّجتِ يا زانية ولكِ زوج؟ كيف اللعان؟
فقال قتادة: قد وقع هذا؟
فقال له أبو حنيفة: وإن لم يقع، نستعدّ له.
فقال له قتادة: لا اجيبكم في شيءٍ من هذا، سلوني عن القرآن.
فقال له أبو حنيفة: ما تقول في قوله عزّ وجلّ: قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلم مِّنَ ٱلكِتَٰبِ أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ، من هو؟
قال قتادة: هذا رجل من ولد عمّ سليمان بن داود كان يعرف اسم الله الأعظم.
فقال أبو حنيفة: أ كان سليمان يعلم ذلك الاسم؟
قال: لا.
قال أبو حنيفة: سبحان الله، ويكون بحضرة نبي من الأنبياء من هو أعلم منه؟
قال قتادة: لا اجيبكم في شيء من التفسير، سلوني عمّا اختلف الناس فيه.
فقال له أبو حنيفة: أ مؤمن أنتَ؟ قال قتادة: أرجو.
قال له أبو حنيفة: فهلّا قلت كما قال إبراهيم فيما حكى الله عنه حين قال له: أولَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ: بَلَى؟
قال قتادة: خذوا بيدي، والله لا دخلتُ هذا البلد أبداً.[4]
5- حكاية سؤال أبي حنيفة قتادةَ عن نملة سليمان أ كانت ذكراً أم انثى، وقد مرّ ذكرها.
6- قال عبيد الله بن محمّد بن هارون: سمعتُ الشافعيّ: بمكّة يقول: سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ احَدِّثْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ. فقيل: يا أبا عبد الله! ما تقول في محرم قتل زنبوراً؟
قال: وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ.[5]
وروى المجلسيّ عن «جامع الأخبار» أنّ رجلًا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: جئتُكَ لأسأل عن أربع مسائل، فقال عليه السلام: سل وإن كانت أربعين.
قَالَ أخْبِرْنِي: مَا الصَّعْبُ ومَا الأصْعَبُ؟ ومَا القَرِيبُ ومَا الأقْرَبُ! ومَا العَجَبُ ومَا الأعْجَبُ؟ ومَا الوَاجِبُ ومَا الأوْجَبُ؟
فقال عليه السلام: الصعب المعصية، والأصعب فوت ثوابها. والقريب كلّ ما هو آت، والأقرب هو الموت. والعجب هو الدنيا، وغفلتنا فيها أعجب، والواجب هو التوبة، وترك الذنوب هو الأوجب.
وقيل: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: جئتك من سبعين فرسخاً لأسألك عن سبع كلمات. فقال: سل ما شئت. فقال الرجل: أي شَيءٍ أعْظَمُ مِنَ السَّمَاءِ؟ وأي شَيءٍ أوْسَعُ مِنَ الأرْضِ؟ وأي شَيءٍ أضْعَفُ مِنَ اليَتِيمِ؟ وأي شَيءٍ أحَرُّ مِنَ النَّارِ؟ وأي شَيءٍ أبْرَدُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ؟ وأي شَيءٍ أغْنَى مِنَ البَحْرِ؟ وأي شَيءٍ أقْسَى مِنَ الحَجَرِ.[6]
فقال عليه السلام: البهتان على البريء أعظم من السماء. والحقّ أوسع من الأرض. ونمائم الوشاة أضعف من اليتيم. والحرص أحرّ من النار. وحاجتك إلى البخيل أبرد من الزمهرير. والبدن القانع أغنى من البحر. وقلب الكافر أقسى من الحجر.
قال في كتاب «الصراط المستقيم»: روى قاسم بن سلام عن أبي بكر أنّه قال على منبر المدينة: أعِينُونِي وقَوِّمُونِي.[7] ومن المعلوم أنّ المحتاج إلى الرعيّة أحوج إلى الإمام. وأين ذلك من قول عليّ عليه السلام: سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي؟ أورده شارح «المصابيح» وغيره.[8]
و في «الغدير»: أخرج الخطيب في رواة مالك، والبيهقيّ في «شعب الإيمان»، والقرطبيّ في تفسيره باسناد صحيح عن عبد الله بن عمر قال: تعلّم عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلمّا ختمها، نحر جَزوراً.[9]
[1] «تاريخ ابن عساكر» ج 2، ص 305.
[2] قال في «أقرب الموارد»: اللويّة ما هيّأته وأخفيته عن غيرك من الطعام، كما يقول الرجل لأهله: قومي فغذّينا من اللويّة. وجمعها لَوَايَا. وكأنّ مقاتل بن سليمان أراد أن يكون في كلامه هذا كالمسيح عليه السلام الذي كان يقول: وانَبِّئُكُمْ بِمَا تَأكُلُونَ ومَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُم.
[3] «تاريخ بغداد» للخطيب البغداديّ، ج 3، ص 166.
[4] «الانتقاء» لأبي عمر بن عبد البرّ صاحب «الاستيعاب».
[5] «طبقات الحفّاظ» للذهبيّ، ج 2، ص 288؛ و«الغدير»، ج 6، ص 191 إلى 196.
[6] «بحار الأنوار» ج 17، ص 125 كتاب الروضة، طبعة الكمبانيّ.
[7] انظر: «تاريخ الطبريّ»، ج 3، ص 210؛ و«سيرة ابن هشام» ج 2، ص 661؛ و«الإمامة والسياسة» ج 1، ص 16.
[8] «الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم» للعلّامة الشيخ زين الدين عليّ بن يونس العامليّ النباطيّ البياضيّ المتوفّى سنة 877، ج 2، ص 296. وفيه أيضاً، ج 2، ص 26: نكتة: قيل لابن بابويه: أتفضّل عليّاً على أبي بكر؟ قال: لا. قيل: أتفضّل أبا بكر على عليّ؟ قال: لا. قيل: فلا تفاضل بينهما؟ قال: نعم. قيل: وكيف تقول؟ قال: الأشياء إمّا أضداد، وظاهر أنّه لا تفاضل بينهما. أو أشباه وأمثال، وأبو بكر لا يشابه عليّاً لما عُلم من مساواته للنبيّ صلى الله عليه وآله حين واخاه.
[9] الغدير، ج 6، ص 196.