إنّ عمر كان لا يفهم معنى الكلالة. وقد راجع النبيّ الأكرم مراراً ولم يفهم حتى قال له النبيّ صلى الله عليه وآله: إنِّي أظُنُّكَ تَمُوتُ قَبْلَ أنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ. ولمّا طلب من ابنته حفصة أن تسأله صلى الله عليه وآله، قال لها النبيّ: مَا أرَى أبَاكِ يَعْلَمُهَا. وقوله: مَا أرَاهُ يُقِيمُهَا.[1]
وأورد العلّامة الأمينيّ في «الغدير» أيضاً أنّ مسلماً أخرج في صحيحه عن عبيد بن عمير أنّ أبا موسى (الأشعريّ) استأذن على عمر ثلاثاً، فكأنّه وجده مشغولًا، فرجع، فقال عمر: أ لم تسمع صوت عبد الله ابن قيس؟ ائذنوا له. فدُعي به. فقال: ما حملك على ما صنعتَ؟ قال: إنّا كنّا نؤمر بهذا (نؤمر بالاستئذان، وإذا لم يؤذن لنا، نرجع) قال عمر: لتقيمنّ على هذا بيّنة، أو لأفعلنّ (و في لفظ: فو الله لاوجعنّ ظهرك وبطنك. وفي لفظ الطحاويّ: والله لأضربنّ بطنك وظهرك، أو لتأتينّي بمن يشهد لك).
فخرج (أبو موسى) فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلّا أصغرنا. فقام أبو سعيد (الخُدريّ) فقال (لعمر): كنّا نؤمر بهذا. فقال عمر: خَفِيَ عَلَيّ هَذَا مِنْ أمْرِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ. ألْهَانِي عَنه الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ.[2]
قال أمير المؤمنين عليه السلام في موضعين من «نهج البلاغة»: آل محمّد الذين ينبغي للناس أن يرجعوا إليهم هُمْ عَيْشُ العِلْمِ ومَوْتُ الجَهْلِ. أي: هم حياة العلم، وموت الجهل حقّاً وحقيقة، وبكلّ ما للكلام من معنى. أمّا الموضع الأوّل، فهو الخطبة (137) وفيها: هُمْ عَيْشُ العِلْمِ ومَوْتُ الجَهْلِ إلى آخر الخطبة[3] التي نذكرها في الهامش. وأمّا الثاني، فهو الخطبة (145) التي قال في آخرها:
وَاعْلَمُوا أنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حتى تَعْرِفُوا الذي تَرَكَهُ، ولَنْ تَأخذُوا بِمِيثَاقِ الكِتَابِ حتى تَعْرِفُوا الذي نَقَضَهُ، ولَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حتى تَعْرِفُوا الذي نَبَذَهُ. فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدَ أهْلِهِ، فَانَّهُمْ عَيْشُ العِلْمِ ومَوْتُ الجَهْلِ. هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وصَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ، وظَاهِرِهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ. لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ ولَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ، وصَامِتٌ نَاطِقٌ.[4]
سأل رجل ذات يوم متعجّباً: كيف ناوأ حملة لواء الغصب ومدّعو الخلافة مثل هذا الرجل الذي مُلئ علماً وحكمة من قرنه إلى أخمص قدمه؟
فأجابه عالم في المجلس من فوره أنّ هذا الأمر واضح وطبيعيّ جدّاً، لأنّ الإمام عليه السلام نفسه قال: النَّاسُ أعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.[5]
وعند ما نجد الجهل بشقّيه المركّب والبسيط عند مخالفينا، ونلاحظ العلم الوجدانيّ والحضوريّ والحصوليّ عند آل محمّد بنحو أتمّ وبكلّ ضروبه، فانّ عداء المخالفين قائم على أساس الحقد والضغن والحسد وحبّ الرئاسة، إذ لا يتمكّنون من العلم، ويصرّون على جهلهم. وقال أمير المؤمنين عليه السلام في الديوان المنسوب إليه:
لَا فَضْلَ إلَّا لأهْلِ العِلْمِ إنَّهُمُ *** عَلَى الهُدَى لِمَن إسْتَهْدَى أدِلَّاءُ
وَقِيمَةُ المَرْءِ مَا قَدْ كَانَ يُحْسِنُهُ *** والجَاهِلُونَ لأهْلِ العِلْمِ أعْدَاءُ
فَقُمْ بِعِلْمٍ ولَا تَبْغِي لَهُ بَدَلًا *** النَّاسُ مَوْتَى وأهْلُ العِلْمِ أحْيَاءُ[6]
إن حبّ النفس ذاتيّ وغريزيّ. فاذا كان امرؤ عالماً، فهو يحبّ ذاته وعلمه. ومن الطبيعيّ أنّه ينهض لتقويض أركان الجهل، ويشدّ عُقَدَ مآزره لمكافحته، إذ يمثّل امّ الفساد، وينبوع الرذائل والآثام كلّها. أمّا إذا كان جاهلًا، فهو أيضاً يحبّ ذاته وجهله، ولمّا كان يرى نفسه محور الكمال ومركز الأصالة، فانّه يخال مخالفيه ناقصين حتى لو كانوا في الدرجة العليا من العلم والدراية، ويهبّ لقطع دابرهم، ويرى وجودهم النورانيّ الطاهر دامساً وملوّثاً.[7]
حَسَدُوا الفَتَى إذْ لَمْ يَنَالُوا فَضْلَهُ *** فَالنَّاسُ أعْدَاءٌ لَهُ وخُصُومُ
كَضَرَائِرِ الحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا *** حَسَدَاً وبُغْضَاً إنَّهُ لَدَمِيمُ
يَا سَائِلِي عَنْ عَلِيّ والذي فَعَلُوا *** بِهِ مِنَ السُّوءِ مَا قَالُوا ومَا عَمِلُوا
لَمْ يَعْرِفُوهُ فَعَادُوهُ لِمَا جَهِلُوا *** والنَّاسُ كُلُّهُمْ أعْدَاءُ مَا جَهِلُوا[8]
[1] روى السيوطيّ في «جمع الجوامع» كما في ترتيبه، في ج 6، ص 15: نقلًا عن عبد الرزّاق، والبيهقيّ، وأبي الشيخ في فرائضه، وكذلك روى الهيثميّ في «مجمع الزوائد» ج 4، ص 227 عن سعيد بن المسيِّب، عن عمر أنّه قال: سألتُ النبيّ صلى الله عليه وآله كيف قسم الجدّ؟ قال: ما سؤالك عن ذلك يا عمر؟ إنّي أظنّك تموت قبل أن تعلم ذلك. قال سعيد بن المسيِّب: فمات عمر قبل أن يعلم ذلك.
[2] «صحيح مسلم» ج 2، ص 234 في كتاب الآداب؛ «صحيح البخاريّ» ج 3، ص 837 طبعة الهند؛ «مسند أحمد» ج 3، ص 19؛ «سنن الدارميّ» ج 2، ص 274؛ «سنن أبي داود» ج 2، ص 340؛ «مشكل الآثار»، ص 499؛ و«الغدير» ج 6، ص 158؛ وأخرج مسلم في صحيح آخر: قال ابيّ بن كعب: يا ابن الخطّاب فلا تكوننّ عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: سبحان الله إنّما سمعتُ شيئاً فأحببتُ أن أتثبّت. وفي لفظ: قال أبو سعيد قلتُ: أنا أصغر القوم. قال النوويّ في «شرح صحيح مسلم»: معناه أنّ هذا حديث مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا حتى أنّ أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله.
[3] «نهج البلاغة» الخطبة 237، طبعة مصر، شرح عبده، ج 1، ص 467: (و من خطبة له عليه السلام) يذكر فيها آل محمّد صلى الله عليه وآله: هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وصمتهم عن حكم منطقهم. لا يخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه. هم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام. بهم عاد الحقّ إلى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته. عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فانّ رواة العلم كثير ورعاته قليل.
[4] «نهج البلاغة» الخطبة 145، طبعة مصر، شرح عبده؛ ج 1، ص 267. وذكرنا هذه الخطبة أيضاً في الجزء الرابع من كتابنا هذا: «معرفة الإمام» الدرس 57 إلى 60.
[5] «نهج البلاغة» ج 2، الحكمة 172 و438.
[6] هذه الأبيات الثلاثة وأبيات ثلاثة اخرى غيرها موجودة في ديوان الشعر المنسوب إلى الإمام الوصيّ عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام، ذكرها جامع الديوان وشارحه عبد العزيز سيّد الأهل في ص 11 و12. والأبيات المذكورة هي الأبيات الأخيرة، أمّا الأبيات الثلاثة الاخرى، فهي الأبيات الاولى، وهي قوله:
الناس من جهة التمثال أكفاء *** أبوهم آدم والامُّ حوّاء
فان يكن لهم من أصلهم شرفٌ *** يُفاخرون به فالطين والماء
وإن أتيتَ بفخرٍ من ذوي نسبٍ *** فانّ نسبتَنا جودٌ وعلياءُ
وقال سيّد الأهل: ذكرها الغزّاليّ في «إحياء العلوم»، والشبلنجيّ في «نور الأبصار»، ولويس شيخو في «مجاني الأدب»، والشريشيّ في شرحه على «المقامة الكَرجيّة» من «مقامات الحريريّ» مع اختلاف في بعض الألفاظ، واقتصر الشريشيّ على البيتين الأوّلين منها. ولكن ورد البيت الآتي في الديوان المطبوع طبعة حجريّة، ص 1 مضافاً إلى هذه الأبيات:
وإنّما امّهاتُ النَّاس أوعيةٌ *** مستَوْدعاتٌ وللأحساب آباء
وهذا البيت ليس للإمام على نحو اليقين، وإنّما أضافه الآخرون، لأنّ مفاده خلاف الحقيقة. وأجمعت الآيات القرآنيّة والروايات على أنّ الابن يطلق على أبناء البنت كما يطلق على أبناء الابن. ولا تفاوت في النسب سواء من ناحية الابن أم من ناحية البنت. وللعلّامة الطباطبائيّ بحث حول هذا الموضوع في «الميزان» ج 4، ص 331. ويرى أنّ هذا البيت والبيت الآتي الذي ينسب إلى قول القائل ذوا مضمون جاهليّ:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهنّ أبناء الرجال الأباعدِ
وحاول العبّاسيّون أن لا ينسبوا أئمّة أهل البيت عليهم السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فادينوا.
[7] ونقرأ لأمير المؤمنين عليه السلام شعراً آخر في الديوان المنسوب إليه، وهو حقيق بالإمعان:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله *** وأجسادهم قبل القبور قبورُ
وإنّ امرئً لم يُحيَ بالعلم ميّتٌ *** وليس له حتى النشور نُشورُ
وهذان البيتان رائيّان. واثر بيتان آخران في قافية الألف هما:
ولا تصحب أخا جهلٍ وإيّاك وإيّاه *** فكم من جاهلٍ أردى حكيماً حين آخاهُ
يُقاسُ المرءُ بالمرء إذا ما هو ما شاهُ *** وللشيء من الشيء مقاييسُ وأشباهُ
[8] «الصراط المستقيم» ج 2، ص 19.