قال الله الحكيم في كتابه الكريم: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.[1]
نزلت هذه الآية في غزوة احُد، وهي تتحدّث عن الذين ولّوا هاربين وتركوا النبيّ وحده في تلك المعركة الدامية عند ما شنّ عليهم العدوّ غارة شديدة. ولم يثبت مع رسول الله إلّا أمير المؤمنين عليه السلام، وأشخاص قليلون كأبي دُجانة الأنصاريّ،[2] وسهل بن حنيف، وهم يذبّون عن نفسه القدسيّة، ولم يتركوه فريسةً لسهام العدوّ وأسنّته وسيوفه وحجارته، ولم يُسلموه إلى أعدائه المتعطّشين بأجمعهم إلى قتله.
وتقع هذه الآية بين عدد من الآيات في سورة آل عمران. وهي تصوّر الوضع تصويراً حسناً.
قال تعالى: وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ (ونذيق الناس جميعهم المصائب ونُنزل بهم المشاكل والحوادث الواحد تلو الآخر) ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الْكافِرِينَ ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ، ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، (فَلِمَ لُذتم بالفرار؟!) وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ، (سيؤجرهم أجراً جميلًا ويثيبهم ثواباً لا يعدّ ولا يحصى) وما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا ومَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ومَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ، وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا ومَا اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ، وما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا وانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ، فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.[3]
قال سماحة آية الله العلّامة الطباطبائيّ في ذيل الآية: ومَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ، في تفسير قوله: أ فَأين ماتَ أوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ: «المراد به الرجوع عن الدين دون التولّي عن القتال، إذ لا ارتباط للفرار من الزحف بموت النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أو قتله، وإنّما النسبة والرابطة بين موته أو قتله وبين الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان.
ويدلّ على أنّ المراد به الرجوع عن الدين ما ذكره تعالى في قوله: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ ولِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ، إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.[4] و[5]
وصفهم الله تعالى في هذه الآيات بأنّهم يهتمّون بإنعاش أنفسهم ويظنّون ظنّ الجاهليّة. وقد زلّوا في الدين بسبب بعض ممارساتهم الذميمة، وتركوا النبيّ صلى الله عليه وآله وحده في مثل هذه الواقعة الخطرة.
على أنّ نظير ما وقع في احد من فرارهم من الزحف وتولّيهم عن القتال تحقّق في غيره كغزوة حنين وخيبر وغيرهما، ولم يخاطبهم الله بمثل هذا الخطاب وما عبّر عن تولّيهم عن القتال بمثل هذه الكلمة، قال تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.[6]
فالحقّ أنّ المراد بالانقلاب على الأعقاب الرجوع إلى الكفر السابق.
فمحصّل معنى الآية على ما فيها من سياق العتاب والتوبيخ: أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلّم ليس إلّا رسولًا من الله مثل سائر الرسل، ليس شأنه إلّا تبليغ رسالة ربّه لا يملك من الأمر شيئاً. وإنّما الأمر للّه والدِّين دينه باقٍ ببقائه. فما معنى اتّكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أن لو مات أو قتل تركتم القيام بالدين، ورجعتم إلى أعقابكم القهقرى واتّخذتم الغواية بعد الهداية؟!
وهذا السياق أقوى شاهد على أنّهم ظنّوا يوم احد بعد حمي الوطيس أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد قُتل فانسلّوا عند ذلك وتولّوا عن القتال. فيتأيّد بذلك ما ورد في الرواية والتأريخ -كما في ما رواه ابن هشام في «السيرة»- أنّ أنَس بن النضر -عمّ أنس بن مالك- انتهى إلى عمر بن الخطّاب، وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار -و قد ألقوا بأيديهم- فقال: ما يحبسكم؟!
قالوا: قُتل رسول الله. قال: فما ذا تصنعون بالحياة بعده؟! فموتوا على ما مات عليه رسول الله. ثمّ استقبل القوم فقاتل حتى قُتل.
[1] الآية 144، من السورة 3: آل عمران.
[2] ذكر المامقانيّ ترجمته في «تنقيح المقال» ج 2، ص 68، وقال: سماك بن خراشة أبو دجانة الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ. شهد بدراً واحُداً وجميع المشاهد مع رسول الله.
[3] الآيات 139 إلى 148، من السورة 3: آل عمران.
[4] الآيتان 154 و155، من السورة 3: آل عمران.
[5] ذكر السيّد شرف الدين العامليّ في كتاب «النصّ والاجتهاد» ص 252 و253، الطبعة الثانية: أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله نزل يوم احد بأصحابه -وهم سبعمائة- في عُدوة الوادي (مكان بعيد في الصحراء)، وجعل ظهره إلى الجبل، وكان المشركون ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع، ومائتا فارس، ومعهم خمس عشرة امرأة. وفي المسلمين مائتا دارع وفارسان - انتهى. أقول: عُدوة بضمّ العين: المكان المتباعد. وبكسرها وفتحها: المكان المرتفع.
[6] الآية 25، من السورة 9: براءة.