إنّ الله سبحانه كرّر هذه الجملة في الآية التالية بعد قوله: ومَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ومَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها، حيث قال: وسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ فافهم ذلك. لأنّ هذا الموضوع الدقيق جدير بالإمعان.
وقوله: وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. بمنزلة الاستثناء ممّا قبله على ما يعطيه السياق. وهو الدليل على أنّ القوم كان فيهم من لم يظهر منه هذا الانقلاب ورجوع القهقري أو ما يشعر به كالانسلال والتولّي، وهم الشاكرون.
وحقيقة الشكر إظهار النعمة، كما أنّ الكفر الذي يقابله هو إخفاؤها والستر عليها. وإظهار النعمة هو استعمالها في محلّها الذي أراده منعمها وذكر المنعم بها لساناً وهو الثناء وقلباً من غير نسيان. و بناءً على هذا فشكره تعالى على نعمة من نعمه أن يُذكر عند استعمالها وتوضع النعمة في الموضع الذي أراده منها ولا يُتعدّى ذلك.
وإن من شيء إلّا وهو نعمة من نعمه تعالى، ولا يريد بنعمة من نعمه إلّا أن تُستعمل في سبيل عبادته. قال تعالى: وآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ.[1]
فشكره على نعمته أن يطاع فيها ويذكر مقام ربوبيّته عندها.
وعلى هذا فشكره المطلق من غير تقييد، ذكرهُ تعالى من غير نسيان، وإطاعته من غير معصيته. فمعنى قوله: واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ[2]:
اذكروني ذكراً لا يخالطه نسيان، وأطيعوا أمري إطاعة لا يشوبها عصيان ولا يُصغي إلى قول مَن يقول: إنّه أمر بما لا يُطاق، فإنّه ناشئٌ من قلّة التدبّر في هذه الحقائق والبعد من ساحة العبوديّة.
وقد عرفتَ فيما تقدّم من الكتاب أنّ إطلاق الفعل لا يدلّ إلّا على تلبّس ما، بخلاف الوصف فإنّه يدلّ على استقرار التلبّس وصيرورة المعنى الوصفيّ مَلَكةً لا تفارق الإنسان. ففرقٌ بين قولنا: الَّذِينَ أَشْرَكُوا، والَّذِينَ صَبَرُوا، والَّذِينَ ظَلَمُوا، والذين يعتدون، وبين قولنا: الْمُشْرِكِينَ، والصَّابِرِينَ، والظَّالِمِينَ، والْمُعْتَدِينَ.
فالشاكرون هم الذين ثبت فيهم وصف الشكر واستقرّت فيهم هذه الفضيلة. وقد بان أنّ الشكر المطلق هو أن لا يذكر العبد شيئاً، وهو نعمة، إلّا وذكر الله معه، ولا يمسّ شيئاً، وهو نعمة، إلّا ويطيع الله فيه.
[1] الآية 34، من السورة 14: إبراهيم.
[2] الآية 152، من السورة 2: البقرة.