تبيّن أنّ الشكر لا يتمّ إلّا مع الإخلاص للّه سبحانه علماً وعملًا، فالشاكرون هم المخلصون للّه، الذين لا مطمع للشيطان فيهم.
وتظهر هذه الحقيقة ممّا حكاه الله تعالى عن إبليس. قال تعالى: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.[1] وقال أيضاً: قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ[2]. فلم يستثنِ من إغوائه أحداً إلّا المخلَصين، وأمضاه الله سبحانه من غير ردّ.
وقال تعالى: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ.[3]
وقوله: ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ بمنزلة الاستثناء. فقد بدّل المخلصين بالشاكرين وليس إلّا، لأنّ الشاكرين هم المخلَصون الذين لا مطمع للشيطان فيهم، ولا صنع له لديهم. إنّما صنعه وكيده إنساء مقام الربوبيّة والدعوة إلى المعصية و أنّ آلته الحادّة وسلاحه كليلان لا يؤثّران في هؤلاء المخلَصين الغارقين في بحر ذِكر الله والتوجّه إليه، والذين لا تصدر منهم المعصية كملكة متمكّنة في نفوسهم.
وممّا يؤيّد ذلك من هذه الآيات النازلة في غزوة احد قوله تعالى فيما سيأتي من الآيات: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.[4] مع قوله في هذه الآية التي نحن فيها: وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، وقوله فيما بعدها: وسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ. وقد عرفتَ أنّه في معنى الاستثناء، فهذه كلّها تدلّ على نفسها بنحو أبلغ.
فتدبّر فيها أي في الآية واقضِ عجباً ممّا ربّما يقال: إنّ الآية، أعني قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ناظرة إلى ما روى أنّ الشيطان نادى يوم احد: «ألَا قد قُتِل محمّد» فأوجب ذلك وهن المؤمنين وتفرّقهم عن المعركة! فاعتبر إلى أيّ مهبط اهبط كتاب الله من أوج حقائقه ومستوى معارفه العالية؟! فالآية تدلّ على وجود عدّة منهم يوم احد لم يهنوا ولم يفتروا ولم يفرّطوا في جنب الله سبحانه سمّاهم الله شاكرين. وصدّق أنّهم لا سبيل للشيطان إليهم ولا مطمع له فيهم؛ ليس في هذه الغزوة فحسب، بل هو وصف لهم ثابت فيهم مستقرّ معهم.
ولم يطلق اسم الشاكرين في مورد من القرآن على أحد بعنوان على طريق التوصيف إلّا في هاتين الآيتين. أعني: قوله: وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ، وقوله: وما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. ولم يذكر ما يجازيهم به في شيء من الموردَين إشعاراً بعظمته ونفاسته».[5]
[1] الآيتان 82 و83، من السورة 38: ص.
[2] الآيتان 39 و40، من السورة 15: الحجر.
[3] الآيتان 16 و17، من السورة 7: الأعراف.
[4] الآية 155، من السورة 3: آل عمران.
[5] «الميزان في تفسير القرآن» ج 4، ص 37 إلى 40.