ذكر الطبريّ وابن الأثير أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام لمّا قتل أصحاب اللواء من المشركين، أبصر النبيّ صلى الله عليه وآله جماعة من المشركين، فقال لعليّ: احمل عليهم، فحمل عليه السلام عليهم ففرّقهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجُمَحيّ. ثمّ أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة اخرى، فقال لعليّ عليه السلام: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرّق جماعتهم، وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي.
فقال جبرئيل: يا رسول الله! إنّ هذه لَلْمواساة!
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّه منّي وأنا منه.
فقال جبرئيل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتاً: لَا سَيْفَ إلَّا ذُو الفقار، ولَا فتى إلَّا عَلِيّ.[1]
وشرح خواند مير هذا الحديث الشريف في كتاب «روضة الصفا». وقال بعد عرض مفصّل في إيثار أمير المؤمنين عليه السلام ومواساته يوم احد، وهو ممّا يثير العجب حقّاً:
روى الحافظ أبو محمّد بن العزيز (الجنابذيّ) في كتاب «معالم العترة النبويّة» مرفوعاً عن قيس بن سعد، عن أبيه قال: سمعتُ عليّاً يقول: أصابتني يوم أحد ستّة عشر ضربة سقطتُ إلى الأرض في أربع منهنّ[2]، فجاءني رجلٌ حسن الوجه، طيّب الريح، فأخذ بضبعي فأقامني ثمّ قال: أقبل عليهم فإنّك في طاعة الله وطاعة رسوله وهما عنك راضيان. قال عليّ: فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فأخبرته، فقال: يا عليّ! أما تعرف الرجل؟ قلت: لا، ولكنّي شبّهته بدحية الكلبيّ، فقال: يا عليّ أقرّ الله عينك؛ كان جبرئيل.
وذكر محمّد بن حبيب في «الأمالى» أنّه لمّا هُزم جُلُّ الجيش الإسلاميّ، توجّهت أفواج الكفّار نحو رسول الله صلى الله عليه وآله كأمواج البحر. واقترب منه زُهاء خمسين فارساً من بني عبد مناف. وحمل عليّ المرتضى عليه السلام على أولاد صفوان بن عوف، وأبي الشعثاء، وأبي الحمراء، وستّة آخرين من أولاد أبي سفيان. وقتلهم بسيفه البتّار وأرسلهم إلى دار البوار.
ونقل بعض أصحاب السير أنّ جبرئيل قال لرسول الله بعد ذلك: يَا مُحَمَّدُ! إنَّ هَذِهِ لَلْمَوَاسَاةُ، ولَقَدْ عَجِبْتُ لِمُوَاسَاةِ هَذَا الفَتَى. فقال رسول الله: إنَّهُ مِنِّي وأنَا مِنْهُ. فقال جبرئيل: وأنَا مِنْكُمَا. وسُمِعَ في ذَلِكَ اليَوْمِ صَوْتٌ مِنْ قِبَلِ السَّمَاءِ ولَا يرى شَخْصُ الصَّارِخِ يُنَادِي مِرَاراً: لَا فتى إلَّا عَلِيّ، لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الصارخ، فقال: هو جبرائيل. ثمّ قال محمّد بن حبيب صاحب «الأمالى»: رواه جمع من المحدِّثين. وهو من الأخبار المشهورة. ووجدت بعض نسخ كتاب «المغازي» لمحمّد بن إسحاق وهي تخلو من هذا الحديث. وسألتُ استاذي وشيخي عبد الوهّاب رحمة الله عليه عن هذا الخبر، فقال: صحيح. فقلتُ: لِمَ لا تذكره كتب الصحاح؟ قال: أوكُلُّ مَا كَانَ صَحِيحاً يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ كُتُبُ الصِّحَاحِ مِنَ الخَبَرِ؟[3]
ويستبين هنا أنّ ما نقله صاحب «السيرة الحلبيّة» عن أبي العبّاس بن تيميّة في زعمه كذبَ هذا الحديث[4] بعيد عن الإنصاف جدّاً، وفيه خروج عن جادّة الحقيقة. ولا غَرْوَ إذا صدر ذلك عن ابن تيميّة المعروف بعدائه الشديد لأمير المؤمنين عليه السلام، والمعدود في زمرة النواصب لرذالته وخباثته، والمنكر للحكايات والأخبار الصحيحة بحمله لها على محامل بعيدة. وهو الذي عقد نيّته على العناد واللجاجة والخصومة أنّي وجد حديثاً وخبراً في فضيلة سيّد الأولياء. وإنّما العجب من بعض أتباعه إذ يَقبلون كلامه على عميً مع ما يتّصفون به من الاطّلاع وسعة العلم، وقد صدّقوه إذ أوردوه في كتبهم بلا تحقيق حفظاً للسَّلَف!
[1] قال في «القاموس»: ذو الفقار (بالفتح) سيف العاص بن منبّه قتل يوم بدر كافراً، فصار إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم، ثمّ صار إلى عليّ. وقال ابن الأثير في «النهاية»: إنّه كان اسم سيف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم ذا الفقار، لأنّه كان فيه حفر صغار حسان. والمفقّر من السيوف الذي فيه حزوز مطمئنّة [عن متنه]. وقال دهخدا في «لغت نامه»(= المعجم اللغويّ): ذو الفقار، أي صاحب الفقرات. والفقرة واحدة من فقرات الظهر التي يتكوّن منها العمود الفقريّ. قيل: لمّا كانت فقر صغار لَدِنة في ظهر سيف (ذو الفقار) لذلك عُرِف بهذا الاسم. وهذا السيف ممّا استخلصه رسول الله لنفسه ثمّ أعطاه عليّ بن أبي طالب عليه السلام. وإذا ظُنّ أنّ (ذو الفقار) له ظُبّتان أو حدّان فلا أساس لذلك. وجاء في ترجمة «تاريخ الطبريّ» في ذكر خبر غزوة احد أنّ الكفّار غلبوا وأحدقوا بالمسلمين، ووقف النبيّ صلى الله عليه وآله في مكان ولم يرجع. وكان يدعو الناس ولم يجبه أحد كما قال الله تعالى: حتى إِذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ (الآية). ولم يبرح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم مكانه وكان يحرّض الناس على الحرب. وكان عليّ عليه السلام يتقدّم الصفوف وهو يقاتل، وضرب بالسيف الذي كان عنده رأس كافر فاتّقاها بلأمته. وانكسر سيفه لقوّة الحديد. ورجع أمير المؤمنين عليه السلام وقال: يا رسول الله! كنت اقاتل وانكسر سيفي. فلا سيف لي. فدفع إليه النبيّ صلى الله عليه وآله (ذو الفقار) وقال: خذه يا عليّ! فأخذه الإمام وقذف نفسه في لهوات الحرب. ورآه النبيّ يقاتل بشجاعة ويضرب به يميناً وشمالًا وأماماً وخلفاً، فقال: لَا فتى إلَّا عَلِيّ، لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ.حيدر كرّار كو تا بگه كارزار***از گهر لطف او آب دهد ذو الفقارللشاعر الخاقانيّ: يقول: «أين حيدر الكرّار فيأتي وقت الحرب ليُكسب ذا الفقار شأناً من جوهر لطفه (فيسقيه دماء الكفّار)؟».و أورد دهخدا أبياتاً كثيرة نظمها شعراء فُرس في (ذو الفقار). (أنظر: مادّة ذو الفقار - حرف الذال).
[2] قال عبد الحليم الجنديّ مستشار المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة بمصر في كتاب «الإمام جعفر الصادق» ص 21: في يوم احد -أخطر معارك الإسلام- كان عليّ في الحرس إلى جوار النبيّ، حين اصيب النبيّ في المعركة. وكان طبيعيّاً أن يصاب عليّ بستّ عشرة ضربة، كلّ ضربة تلزمه الأرض. وكما يقول سعيد بن المسيِّب سيّد التابعين: فما كان يرفعه إلّا جبريل عليه السلام. فلمّا اشتدّ الخطب، وقتل حامل الراية -مصعب بن عمير- دفع الرسول الراية لعليّ.
[3] «روضة الصفا» ج 2، في غزوة احد، الطبعة الحجريّة؛ وذكره أيضاً مير خواند في «حبيب السير» ج 1، ص 345.
[4] «السيرة الحلبيّة» تصنيف عليّ بن برهان الدين الحلبيّ الشافعيّ، ج 2، ص 249.