نذكر فيما يأتي كلام الشيخ المفيد رضوان الله عليه في كتاب «الإرشاد» حتى تتبيَّن درجة كمال أمير المؤمنين عليه السلام وجهاده في هذه الغزوة، وكذلك نزول جبرائيل على النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم بخبر لَا فتى إلَّا عَلِيّ. قال الشيخ المفيد: وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يوم احُد بِيَدِ أمير المؤمنين عليه السلام كما كانت بيده يوم بدر، فصار اللواء إليه يومئذٍ، فهو صاحب الراية واللواء جميعاً.[1] وكان الفتح له في هذه الغزاة كما كان له ببدر سواء. واختصّ بحسن البلاء فيها والصبر وثبوت القدم عند ما زلّت من غيره الأقدام. وكان له من العناء برسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يكن لسواه من أهل الإسلام، وقتل الله بسيفه رؤوس أهل الشرك والضلال. وفرّج الله به الكرب عن نبيّه عليه السلام. وخطب بفضله في ذلك المقام
جبرائيل عليه السلام في ملائكة الأرض والسماء. وأبان نبيّ الهدى عليه السلام من اختصاصه به ما كان مستوراً عن عامّة الناس.
فمن ذلك ما رواه يحيى بن عمارة، عن الحسن بن موسى بن رياح مولى الأنصار، عن أبي البختريّ القرشيّ، قال: كانت راية قريش ولواؤها جميعاً بِيَدِ قُصَيّ بن كلاب. ثمّ لم تزل الراية في يد ولد عبد المطّلب يحملها منهم من حضر الحرب حتى بُعِث رسول الله صلى الله عليه وآله فصارت راية قريش وغيرها إلى النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله فأقرّها في بني هاشم. فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله عليّ بن أبي طالب عليه السلام في غزاة ودّان. وهي أوّل غزاة حُمِل فيها راية في الإسلام مع النبيّ صلى الله عليه وآله ثمّ لم تزل معه في المشاهد ببدر، وهي البَطْشَةُ الكبرى. وفي يوم احد.
وكان اللواء يومئذٍ -و هو أصغر من الراية- في بني عبد الدار، فأعطاه رسول الله مصعب بن عمير، فاستُشهد. ووقع اللواء من يده، فتشوّفته القبائل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله فدفعه إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام[2] فجمع له يومئذٍ الراية واللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم.
وعقد الشيخ المفيد رضوان الله عليه فصلًا مستقلًّا في مزايا الجهاد العظيم الذي اضطلع به أمير المؤمنين عليه السلام في غزوة احد، وقال:
فَصْلٌ: روى المفضَّل بن عبد الله، عن سِماك، عن عكرمة، عن عبد الله بن عبّاس أنّه قال: لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام أربع ما هنّ لأحد: هُوَ أوَّلُ عَرَبِيّ وعَجَمِيّ صلى مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وهُوَ صَاحِبُ لِوَائِهِ في كُلِّ رَجْفٍ،[3] وهُوَ الذي ثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ المِهْرَاسِ[4] يَعْنِي يَوْمَ احُدٍ وفَرَّ النَّاسُ، وهُوَ الذي أدْخَلَهُ قَبْرَهُ.
وروى زيد بن وهب الجهنيّ عن أحمد بن عمّار، عن شريك، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب قال: وجدنا من عبد الله بن مسعود يوماً طيب نفس فقلنا له: لو حدّثتنا عن يوم احد وكيف كان. فقال: أجل. ثمّ ساق الحديث حتى انتهى إلى ذكر الحرب فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: اخرجوا إليهم على اسم الله. فخرجنا وصففنا لهم صفّاً طويلًا. وأقام على الشِّعب خمسين رجلًا من الأنصار، وأمّر عليهم رجلًا منهم، وقال: لَا تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ هَذَا، ولَو قُتِلْنَا عَنْ آخِرِنَا. فَإنَّمَا نُؤْتى مِنْ مَوْضِعِكُمْ هَذَا.
وأقام أبو سفيان صخر بن حرب بإزائهم خالد بن الوليد. وكان اللواء من قريش في بني عبد الدار. وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة، يُدعى كبش الكتيبة.
ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لواء المهاجرين إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام وجاء حتى وقف تحت لواء الأنصار. وجاء أبو سفيان إلى أصحاب اللواء فقال: يا أصحاب الألوية! إنّكم قد تعلمون أنّما يؤتي القوم من قبل ألويتهم. وأنّما اوتيتم يوم بدر من قِبَلِ ألويتكم؛ فإن كنتم ترون أنّكم قد ضعفتم عنها فادفعوها إلينا نكفكموها. فغضب طلحة بن أبي طلحة وقال: أ لنا تقول هذا؟ والله لأوردنّكم بها اليوم حياض الموت.
قال ابن مسعود: وكان طلحة يسمّى كبش الكتيبة، فتقدّم، وتقدّم عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: من أنت؟! قال: أنا طلحة بن أبي طلحة أنا كبش الكتيبة. فمن أنت؟! قال: أنا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب. ثمّ تقاربا فاختلفت بينهما ضربتان. فضربه عليّ بن أبي طالب عليه السلام ضربة على مقدّم رأسه، فبدرت عينه وصاح صيحة لم يُسمع مثلها قطّ، وسقط اللواء من يده، فأخذه أخ له يقال له: مصعب. فرماه عاصم بن ثابت بسهم فقتله. ثمّ أخذ اللواء أخ له يقال له: عثمان فرماه عاصم أيضاً بسهم فقتله. فأخذه عبدٌ لهم يقال له: صواب، وكان من أشدّ الناس. فضرب عليّ عليه السلام يده فقطعها، فأخذ اللواء بيده اليُسرى، فضربه عليّ عليه السلام على يده اليُسرى فقطعها، فأخذ اللواء على صدره، وجمع يديه، وهما مقطوعتان عليه، فضربه عليّ عليه السلام على امّ رأسه، فسقط صريعاً، فانهزم القوم، وأكبّ المسلمون على الغنائم.
[1] قال في «مجمع البحرين» ص 75، الطبعة الحجريّة، مادّة لواء: اللواية العَلَم الكبير، واللواء دون ذلك. والعرب تضع اللواء موضع الشهرة. ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلّم: لِوَاءُ الحَمْدِ بِيَدِي. يريد انفراده بالحمد يوم القيامة وشهرته به على رؤوس الخلائق. وقال في ص 39، مادّة راية: والراية العَلَم الكبير واللواء دون ذلك والراية هي التي يتولّاها صاحب الحرب ويقاتل عليها، وإليها تميل المقاتلة. واللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار. وفي الحديث ذكر الراية وهي القلادة التي توضع في عنق الغلام الآبق ليُعلَم أنّه أبق. وفي «لسان العرب» ج 14، ص 351: الراية العَلَم لا تهمزها العرب، والجمع رايات ورأى وأصلها الهمز... إلى أن قال: وفي حديث خيبر: سَاعْطِي الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّهُ اللهُ ورَسُولُهُ. الراية هاهنا العلم. يقال: ريَّيتُ الراية أي ركزتُها. [و قال] ابن سِيدة: أ رأيتُ الراية [أي] ركزتها. وفي الحديث: الدِّينُ رَايَةُ اللهِ في الأرْضِ يَجْعَلُهَا في عُنُقِ مَنْ أذَلَّهُ. وقال ابن الأثير: الراية حديدة مستديرة على قدر العنق تُجعل فيه. وفي «لسان العرب» ج 15 ص 266: اللواء: لواء الأمير، ممدود، واللواء: العَلَم والجمع ألوية وألويات ... إلى أن قال: اللواء: الراية ولا يمسكها إلّا صاحبُ الجيش. وفي الحديث: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمُ القِيَامَةِ. أي علامة يشهر بها في الناس، لأنّ موضوع اللواء شهرة مكان الرئيس. وقال في «صحاح اللغة» في مادّة لواء: ولواء الأمير ممدود. وقال: غَدَاةَ تَسايلت من كلّ أوبٍ كتائب عاقدين لهم لوايا. وهي لغة لبعض العرب، تقول: احتميتُ احتماء. وذكر في مادّة روا: والراية: العَلَم - انتهى. وكانت الراية في غزوة احد في يد أمير المؤمنين، وكان لواء المهاجرين في يد مصعب بن عمير، ولواء الأنصار في يد سعد بن عبادة، فلمّا قُتل مصعب، أعطي رسول الله لواء المهاجرين إلى عليّ عليه السلام، فصار منذ يومئذٍ صاحب اللواء وصاحب الراية.
[2] قال ابن شهرآشوب في مناقبه، ج 1، ص 191 و192 طبعة قم: جعل [رسول الله صلى الله عليه وآله] علي راية المهاجرين عليّاً عليه السلام. وعلي راية الأنصار سعد بن عُبادة. وقعد في راية الأنصار وهو لابس دِرعَين.
[3] قال ابن كثير الدمشقيّ، في «البداية والنهاية» ج 4، ص 20: روى عن ابن إسحاق أنّ اللواء كان أوّلًا مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لواء المشركين مع [بني] عبد الدار، قال: نَحْنُ أحَقُّ بِالوَفَاءِ مِنْهُمْ. [فلهذا] أخذ اللواء من عليّ بن أبيّ طالب عليه السلام فدفعه إلى مصعب بن عمير [من بني عبد الدار] فلمّا قُتل مصعب، أعطي [رسول الله صلى الله عليه وآله] اللواء عليّ بن أبي طالب عليه السلام. وذكر ابن هشام في سيرته، ج 3، ص 592 قصّة أخذ أمير المؤمنين عليه السلام اللواء يوم احد.
[4] المهراس ماء في احُد. ولذا سُمّيت وقعة احُد بوقعة المهراس أيضاً.