روى الحكم بن ظهير عن السُّدِّي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس أنّ طلحة بن أبي طلحة خرج يومئذٍ فوقف بين الصفَّين، فنادى: يَا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ! إنَّكُمْ تَزْعَمُونَ أنَّ اللهَ يُعَجِّلُنَا بِسِيُوفِكُمْ إلَى النَّارِ، ويُعجِّلُكُمْ بِسِيُوفِنَا إلَى الجَنَّةِ، فَأيُّكُمْ يَبْرُزُ إلَيّ؟!
فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: والله لا افارقك اليوم حتى اعجّلك بسيفي إلى النار. فاختلفا ضربتين، فضربه عليّ عليه السلام على رِجلَيه، فقطعهما، فسقط. فانكشف عنه، فقال له: يَا بْنَ العَمِّ! أنشُدُكَ اللهَ والرَّحِمَ. فانصرف عنه إلى موقفه. فقال له المسلمون: ألا أجهزتَ عليه! فقال: ناشدني الله والرحم. وو الله لا عاش بعدها أبداً.
فمات طلحة في مكانه. وبُشِّر النبيّ صلى الله عليه وآله فسُرَّ به[1]، وقال: هذا كبش الكتيبة.[2]
وقد روى محمّد بن مروان، عن عمارة، عن عكرمة، قال: سمعت عليّاً عليه السلام يقول لمّا انهزم الناس يوم احد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: لحقني من الجزع عليه ما لم يلحقني قطّ ولم أملك نفسي وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه. فرجعت أطلبه فلم أره. فقلتُ: ما كان رسول الله ليفرّ وما رأيته في القتلى. وأظنّه رفع من بيننا إلى السماء. فكسرتُ جفن سيفي وقلت في نفسي: لُاقاتلنّ به عنه حتى اقتل. وحملت على القوم، فأفرجوا عنّي وإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله قد وقع على الأرض مغشيّاً عليه.
فقمتُ على رأسه، فنظر إليّ فقال: مَا مَنَعَ النَّاسَ يَا عَلِيّ؟! فقلتُ: كَفَرُوا يَا رَسُولَ اللهِ ووَلَّوُا الدُّبُرَ مِنَ العَدُوِّ وأسْلَمُوكَ![3]
فنظر النبيّ صلى الله عليه وآله إلى كتيبة قد أقبلت إليه، فقال لي: ردّ عنّي يا عليّ هذه الكتيبة! فحملتُ عليها أضربها بسيفي يميناً وشمالًا حتى ولّوا الأدبار. فقال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: أ مَا تَسْمَعُ يَا عَلِيّ مَدِيحَكَ في السَّمَاءِ، إنَّ مَلَكاً يُقَالُ لَهُ رِضْوَانٌ يُنَادِي: لَا سَيْفَ إلَّا ذُو الفَقَارِ، ولَا فتى إلَّا عَلِيّ؟! فَبَكيتُ سروراً وحمدت الله سبحانه وتعالى على نعمته.
وقد روى الحسن بن عرفة عن عمارة بن محمّد، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، قال: نادى ملك في من السماء يوم احُد: لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ، ولَا فتى إلَّا عَلِيّ.[4]
وروى مثل ذلك إبراهيم بن محمّد بن ميمون، عن عمرو بن ثابت، عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ يَقُولُونَ: نَادَى في يَوْمِ احُدٍ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ، ولَا فتى إلَّا عَلِيّ.
وروى سلام بن مسكين عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب قال: لَو رَأيْتَ مَقَامَ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ احُدٍ لَوَجَدْتَهُ قَائِماً عَلَى مَيْمَنَةَ رَسُولِ اللهِ يَذُبُّ عَنْهُ بِالسَّيْفِ وقَدْ وَلَّى غَيْرُهُ الأدْبَارَ.
وروى الحسن بن المحبوب عن جميل بن صالح، عن أبي عُبيدة. عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهم السلام، قال: كان أصحاب لواء المشركين يوم احد تسعة، قتلهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام عن آخرهم، وانهزم القوم، وطارت مخزوم، فضحها عليّ عليه السلام يومئذٍ.
قال: وبارز عليّ عليه السلام الحكم بن الأخنس، فضربه، فقطع رجله من نصف الفخذ، فهلك منها. ولمّا جال المسلمون تلك الجولة، أقبل اميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة، وهو دارع، وهو يقول: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ فعرض له رجل من المسلمين، فقتله اميّة بن أبي حذيفة، وصمد له عليّ بن أبي طالب، فضربه بالسيف على هامته، فنشب في بيضة مغفره، وضربه اميّة بسيفه، فاتّقاها أمير المؤمنين عليه السلام بدرقته، فنشب فيها.[5]
ونزع أمير المؤمنين عليه السلام سيفه من مغفره، وخلّص اميّة سيفه من درقته أيضاً، ثمّ تناوشا. فقال عليّ عليه السلام: فنظرت إلى فتق تحت إبطه، فضربته بالسيف فيه، فقتلته، وانصرفت عنه.
ولمّا انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم احُد وثبت أمير المؤمنين عليه السلام، قال له النبيّ: مَا لَكَ لَا تَذْهَبُ مَعَ القَوْمِ؟
قال أمير المؤمنين: أذْهَبُ وأدَعُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! واللهِ لَا بَرِحْتُ حتى اقْتَلَ أو يُنْجِزَ اللهُ لَكَ مَا وَعَدَكَ مِنَ النُّصْرَةِ.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أبْشِرْ يَا عَلِيّ! فَإنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ ولَنْ يَنَالُوا منّا مِثْلَهَا أبَداً.[6]
ثمّ نظر رسول الله إلى كتيبة قد أقبلت إليه، فقال له: لو حملتَ على هذه يا عليّ! فحمل أمير المؤمنين عليه السلام عليها، فقتل منها هِشام بن اميّة المخزوميّ، وانهزم القوم. ثمّ أقبلت كتيبة اخرى، فقال له الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: احمل على هذه! فحمل عليهم، فقتل منها عمرو بن عبد الله الجُمَحيّ، وانهزمت أيضاً. ثمّ أقبلت كتيبة اخرى فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله: احمل على هذه! فحمل عليها، فقتل منها بُشر بن مالك العامريّ، وانهزمت الكتيبة، ولم يعد بعدها أحد منهم.[7]
وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبيّ الأكرم، وانصرف المشركون إلى مكّة، وانصرف المسلمون مع النبيّ صلى الله عليه وآله إلى المدينة. واستقبلته فاطمه عليها السلام[8] ومعها إناء فيه ماء، فغسل به وجهه، ولحقه أمير المؤمنين عليه السلام وقد خضّب الدم يده إلى كتفه، ومعه ذو الفقار، فناوله فاطمة عليها السلام، وقال لها: خُذِي هَذَا السَّيْفَ فَقَدْ صَدَقَنِي اليَوْمَ. وأنشأ يقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: خُذُيهِ يَا فَاطِمَةُ! فَقَدْ أدى بَعْلُكِ مَا عَلَيْهِ، وقَدْ قَتَلَ اللهُ بِسَيْفِهِ[9] صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ.[10]
وعقد الشيخ المفيد رضوان الله عليه هنا فصلًا مستقلًّا في أسماء أعلام المشركين الذين قُتلوا على يد أمير المؤمنين عليه السلام في غزوة احُد. وكان جمهورهم قتلاه فحسب. ثمّ قال: وقد ذكر أهل السير قتلى احُد من المشركين. وكان جمهورهم قتلى أمير المؤمنين عليه السلام.
روى عبد الملك بن هشام عن زياد بن عبد الله، عن محمّد بن إسحاق أنّه قال: كان صاحب لواء قريش يوم احد طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، قتله عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقتل ابنه أبا سعيد بن طلحة، وأخاه خالد بن أبي طلحة. وقتل عبد الله بن حميد بن زُهرة بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى، وأبا الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفيّ، والوليد بن أبي حذيفة بن المغيرة، وأخاه: اميّة بن أبي حُذَيْفة بن المغيرة، وأرْطاة بن شرَحْبيل، وهشام بن امَيَّة، وعمرو بن عبد الله الجمحيّ، وبُشر بن مالك، وصواباً مولى بني عبد الدار. هؤلاء كلّهم قتلوا على يد أمير المؤمنين عليه السلام وكان الفتح له يوم احُد.
ورجوع الناس من هزيمتهم إلى النبيّ صلى الله عليه وآله بمقامه عليه السلام يذبّ عنه دونهم. وتوجّه العتاب من الله تعالى إلى كافّتهم لهزيمتهم يومئذٍ سواه عليه السلام ومن ثبت معه من رجال الأنصار، وكانوا ثمانية نفر. وقيل: أربعة أو خمسة. وفي قتله عليه السلام من قتل يوم احُد، وعنائه في الحرب وحُسن بلائه وأضاف ابن شهرآشوب إلى هؤلاء الذين ذكرهم الشيخ المفيد في «الإرشاد» في قتلى أمير المؤمنين عليه السلام أشخاصاً آخرين وهم: خالد، ومخلّد، وكَلدة، ومحالس أولاد طلحة بن أبي طلحة الأربعة، فصاروا مع ابنه الآخر أبي سعيد خمسة، والوليد بن أرطاة، ومُسافِع، وقاسِط بن شُرَيح العَبْديّ، والمغيرة بن المغيرة. ما عدا الذين قتلهم بعد الهزيمة.
[1] ذكر ابن هشام في سيرته ج 3، ص 593 هذه القصّة بتمامها وكمالها، وقال: لمّا اشتدّ القتال يوم احد، جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم تحت راية الأنصار، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام أن قدّم الراية. فتقدّم عليّ [أمير المؤمنين] عليه السلام فقال: أنا أبو القَصْم أبو القُصَم. فناداه أبو سعد طلحة بن أبي طلحة -و هو صاحب لواء المشركين- أن هل لكَ يا أبا القُصَم في البراز من حاجة؟! قال: نعم. فبرزا بين الصفَّين، فاختلفا ضربتين ... إلى آخر القصّة المذكورة.
[2] قال ابن الأثير في «النهاية»: الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش. وقال في ج 4، ص 148: وفي حديث السقيفة: نَحْنُ أنْصَارُ اللهِ وكَتِيبَةُ الإسلَامِ. والجمع الكتائب - انتهى. والكبش في اللغة السيّد وأمير الجيش. فينبغي -إذن- أن يكون معنى كبش الكتيبة قائد الجيش فحسب.
[3] ذكر صاحب «روضة الصفا» هذه القصّة مع اختلاف يسير في اللفظ.
[4] قال ابن هشام في سيرته، ج 3، ص 615: روي بعض أهل العلم عن ابن أبي نجيح قال: نادي منادٍ يوم احد: لَا سَيْفَ إلأ ذو الفَقَارِ، ولَا فَتَى إلَّا عَلِيّ.
[5] ذكر الواقديّ في «المغازي» ج 1، ص 279 قصّة قتال اميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة بهذا النحو وقتله علي يد أمير المؤمنين عليه السلام مفصّلًا.
[6] ذكره مؤلّف «روضة الصفا» في كتابه أيضاً. وجاء في سيرة ابن هشام: ج 3، ص 615.
[7] ذكره صاحب «روضة الصفا» في كتابه أيضاً؛ وورد في سيرة ابن هشام: ج 3، ص 615.
[8] كانت فاطمة الزهراء سلام الله عليها قد ولدت الإمام الحسن عليه السلام قبل معركة احد بشهر واحد، إذ إنّ ولادة الإمام كانت في 15 رمضان سنة 3 هـ، وغزوة احُد وقعت في 15 شوّال من نفس السنة. ذكر ذلك الطبريّ في تأريخه: ج 2، ص 537 وقال: وفيها علقت فاطمة بالحسين صلوات الله عليهما، وقيل: لم يكن بين ولادتها الحسن وحملها بالحسين إلّا خمسون ليلةً.
[9] المقصود من السيف هو ذو الفقار الذي أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام في يوم احُد. وجاء في «ناسخ التواريخ» أنّه عُرف بهذا الاسم لفقرات ونتوءات في ظهره كالعظم. وكان العلويّون يتوارثونه بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام حتى وصل إلى محمّد النفس الزكيّة بن عبد الله المحض بن الحسن المثنّى بن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. ولمّا أحسّ بدنوّ أجله في حربه مع المنصور العبّاسيّ، دعا رجلًا من بني النجّار كان له عليه أربعمائة دينار ودفعه إليه وقال: خذه واحفظه عندك. فإذا رآه رجل من آل أبي طالب، يأخذه ويعطيك حقّك. ولمّا رُشّح جعفر بن سليمان العبّاسيّ لولاية المدينة واليمن، طلب الرجل المذكور ودفع إليه أربعمائة دينار وأخذه منه.
[10] «الإرشاد» للشيخ المفيد، ص 42 إلى 48، الطبعة الحجريّة. وذكر الواقديّ أصل القضيّة بلا أشعار، وذلك في مغازيه: ج 1، ص 249.