الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله فقد ضُرب في وجهه بالحجر حتى كُسر عظمه، وسال الدم، ولم ينقطع. وغرزت حلقات الدرع في عظم وجهه وعصت فلم تخرج. وضُرب على شفتيه المباركتين بالسيف حتى سقطت رباعيّاته.[1] واغمي عليه مرّات لشدّة ضغط الدرع الثقيل عليه، وسقط في الحفرة التي كان قد حفرها أبو عامر الراهب الفاسق في أرض احُد بمعاضدة المشركين، واغمي عليه، ولم يتمكّن من الخروج، وبلغ منه العطش مبلغاً إذ حين اتي له بالماء بعد الحرب، وقرّبه من فمه، لم يستطع أن يشرب.
والله أعلم كم عانى من النبال والأحجار والحِراب والسيوف، ذلك أنّ كتائب من الخيّالة والرجّالة تتكوّن من ثلاثمائة أو مائتي رجل برئاسة خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وضِرار بن الخطّاب، وعتبة بن أبي وقّاص، وعبد الله بن شهاب وابن قَميئة، وابيّ بن خَلَف، كانت تحمل بمجموعها حملة رجل واحد. ولكن لمّا كان صلى الله عليه وآله متدرّعاً بدرعَين، وعلى رأسه مِغفر،[2] وكان أمامه عدد من أصحابه الأوفياء كأبي دُجانة، وسهل بن حُنيف، وقليل من الصالحين الملتزمين الباذلين مهجهم وهم يحوطونه. وكان أمير الولاية حيدر الكرّار يحمل عليهم كالليث الباسل وهو المدرّب على العرفان والتوحيد، ويفرّق صفوفهم ويمزّقهم ويبعثرهم، ومن جهة اخرى كان الله تعالى قد وعده بالنصر، وهو الحافظ لروحه المقدّسة، لذلك لم يستطيعوا قتله.
قال الواقديّ في «المغازي»: وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا وتعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وعرفهم المشركون بذلك، عبد الله بن شِهاب، وعتبة بن أبي وقّاص، وابن قَميئَة، وابيّ بن خَلَف.
ورمى عُتبة يومئذٍ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بأربعة أحجار، وكَسَرَ رُبَاعِيتَه -أشْظَى بَاطِنَهَا اليُمْنَى السُّفْلَى- وشُجَّ في وَجْنَتَيْهِ[3] (حتى غابَ حَلَقُ المِغْفَرِ في وَجْنَتِهِ) واصِيبَتْ رُكْبَتَاهُ فَجُحِشَتَا.[4] وكانت حفر حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم واقفاً على بعضها ولا يشعر به.
قال الواقديّ: والثابت عندنا أنّ الذي رمى وجنتَي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ابن قميئة، وهو يقول: دُلّوني على محمّد، فو الذي يُحلَف به، لئن رأيته لأقتلنّه. فعلاه بالسيف، ورماه عتبة بن أبي وقّاص مع تجليل السيف. وكان عليه صلى الله عليه وآله وسلّم درعان. فوقع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في الحفرة التي أمامه فَجُحِشت رُكبتاه. ولم يصنع سيف ابن قميئة شيئاً إلّا وَهَن الضربة بثِقَل السيف، فقد وقع لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.[5] وانتهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وطلحة يحمله من ورائه، وعليّ عليه السلام آخذ بيده حتى استوى قائماً.[6]
وقال الواقديّ أيضاً: وكان أبو سعيد الخُدريّ يحدّث أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم اصيب وجهه يوم احد فدخلت الحلقتان من المغفر في وجنتيه، فلمّا نُزِعتا جعل الدم يسرب كما يسرُب الشنّ.[7]
نقول: في ضوء ما ذكرنا من الخصوصيّات والمواصفات، أ ليس من الإجحاف خذلان النبيّ الذي يزعم الإنسان أنّه يفديه بروحه وماله وعرضه وناموسه وكلّ شيء في حياته؟ وبلغ الأمر أنّ الآية القرآنيّة المباركة الآتية تُنبئ المسلمين بهذا الفرار وتعنّفهم على ما ارتكبوه من خطيئة عظيمة:
إِذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ.[8]
هذه هي قصّة المنهزمين الفارّين، إذ تخاطب الآية المسلمين قائلة: ترقون الجبلَ فارّين والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يناديكم: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ! أنَا رَسُولُ اللهِ! إلَيّ، إلَيّ، فَلَا يَلْوِي عَلَيْهِ أحَدٌ.
قال الواقديّ في سياق الآيات النازلة في غزوة احد عند تفسير قوله تعالى: وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ[9] إنّ إبليس تصوّر يوم احُد في صورة جُعال بن سراقة الثعلبيّ فنادى: إنّ محمّداً قد قُتل، فتفرّق الناس من كلّ وجه.[10]
[1] تسمّى الأسنان الأربع الأماميّة: ثنايا. وهما اثنتان في الفكّ العلويّ واثنتان في الفكّ السفليّ. وتسمّى الأسنان الأربع المتّصلة بها: أنياب. اثنتان في الأعلى واثنتان في الأسفل، وتسمّى الأسنان الأربع المتّصلة بها: رُباعيّات. اثنتان في أعلى الفم واثنتان في أسفله.
[2] قال العلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في كتاب «النصّ والاجتهاد» ص 254، الطبعة الثانية: حين رأى خالد بن الوليد قلّة من بقي من الرماة [من أصحاب النبيّ]، حمل عليهم فقتلهم. وشدّ بمن معه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من خلفهم. وتبادر المنهزمون من المشركين حينئذٍ بنشاط مستأنف لقتال المسلمين حتى هزموهم بعد أن قتلوا سبعين من أبطالهم فيهم أسد الله و[أسد] رسوله حمزة بن عبد المطّلب. وقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يومئذٍ قتالًا شديداً. فرمى بالنبل حتى فني نبله، وانكسرت سية قوسه، وانقطع وتره، واصيب بجرح في وجنته، وآخر في جبهته، وكُسرت رباعيّته السفلى، وشقّت -بأبي هو وامّي- شفته، وعلاه ابن قمئة بالسيف.
[3] وَجْنَة، وِجْنَة، وُجْنَة، وَجَنَة، وَجِنَة، أجَنَة، إجَنَة، اجْنَة: ما ارتفع من الخدّين.
[4] جَحَشَ الجِلْدَ: قَشَرَهُ وخَدَشَهُ.
[5] قال الطبرسيّ في «إعلام الوري»، ص 92: وقيل له في غزوة احد: ألا تدعو عليهم؟! قال: اللَهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. ورمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ابن قميئة بقذّافة فأصاب كفّه حتى ندر السيف من يده وقال: خُذها مِنِّي وأنَا ابنُ قميئة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: أذلّك الله وأقمأك. وضربه عتبة بن أبي وقّاص بالسيف حتى أدمي فاه، ورماه عبد الله بن شهاب بقلاعة فأصاب مرفقه.
[6] «المغازي» ج 1، ص 243 و244.
[7] «المغازي» ج 1، ص 247.
[8] الآية 153، من السورة 3: آل عمران.
[9] الآية 144، من السورة 3: آل عمران.
[10] حكى آية الله السيّد شرف الدين العامليّ في كتاب «النصّ والاجتهاد» ص 254، الطبعة الثانية، عن «الكامل» لابن الأثير (أنّ الناس لمّا جعلوا يقولون: قُتِل محمّد، قُتِل محمّد، فأوغل المسلمون في الهرب على غير رشد). وكان أوّل من عرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كعب بن مالك، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين! أبشروا، هذا رسول الله حيّ لم يُقْتَل. فأشار إليه [رسول الله] أن أنصت. (مخافة أن يسمع العدوّ فيهجم عليه). وقال في ص 255: بعد غلبة الكفّار واستشهاد حمزة والتمثيل به، أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال: أ في القوم محمّد؟ ثلاثاً. فقال رسول الله: لا تُجيبوه! فقال أبو سفيان: انشدك الله يا عمر أ قتلنا محمّداً؟ قال عمر: اللهمّ لا وإنّه ليسمع كلامك! نرى هنا أنّ عمر خالف رسول الله بصراحة، وقد أعلن للعدوّ أنّه حيّ في وقت كانت حياته صلى الله عليه وآله في خطر.