يقول عمر: كنت أرقى في الجبل كأنّي ارْوِيّة[1] حتى انتهيت إلى رسول الله صليّ الله عليه وآله وهو ينزل عليه: وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ (الآية).
ومعنى قوله: ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ: يتولّى. وما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا.[2]
وكذلك روى الواقديّ عن الضحّاك بن عثمان، عن ضمرة بن سعيد، قال: قال رافع بن خَديج: كنت يوم احُد إلى جنب أبي مسعود الأنصاريّ وهو يذكر من قُتل من قومه ويسأل عنهم، فيُخبَر برجال منهم سعد بن ربيع وخارجة بن زُهير، وهو يسترجع ويترحّم عليهم، وبعضهم يسأل بعضاً عن حميمه، فهم يخبرون بعضهم بعضاً. فبينا هم على ذلك، ردّ الله المشركين ليذهب بالحزن عنهم، فإذا عدوّهم فوقهم قد علوا، وإذا كتائب المشركين. فنسوا ما كانوا يذكرون.
ونَدَبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وحضّنا على القتال، وأنّي لأنظر إلى فلان وفلان في سفح الجبل يعدون.
فكان عمر يقول: لمّا صاح الشيطان: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، أقبلتُ أرقى في الجبل كأنّي ارويّة، فانتهيتُ إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم وهو يقول: وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.[3] (الآية). وأبو سفيان في سفح الجبل. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: اللَهُمَّ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونَا.[4] فَانْكَشَفُوا.[5]
ونقل الواقديّ أيضاً أنّ إبليس لمّا صاح: إنَّ مُحَمَّداً قَدْ قُتِلَ، تفرّق الناس، فمنهم من ورد المدينة، فكان أوّل من دخل المدينة يخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قد قُتِل سعد بن عثمان أبو عُبادة. ثمّ ورد بعده رجال حتى دخلوا على نسائهم، حتى جعل النساء يقلن: أعَنْ رَسُولِ اللهِ تَفِرُّونَ؟!
قال يقول ابن امّ مكتوم: أ عن رسول الله تفرّون؟ ثمّ جعل يؤفّف بهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم خلّفه بالمدينة يصلّي بالناس. ثمّ قال: اعدلوني على الطريق -يعني طريق احُد- فعدلوه على الطريق. فجعل يستخبر كلّ من لقي عن طريق احُد حتى لحق القوم، فعلم بسلامة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم ثمّ رجع.
وكان ممّن ولّى فلان،[6] والحارث بن حاطب، وثَعْلَبة بن حاطب،
وسوّاد بن غَزيّة، وسعد بن عثمان، وعُقبة بن عثمان، وخارجة بن عامر بلغ مَلَل،[7] وأوس بن قيظيّ في نفر من بني حارثة بلغوا الشُّقْرة.[8] ولقيتهم امّ أيمن تحثي في وجوههم التراب، وتقول لبعضهم: هَاكَ المَغْزَلَ فَاغزِلْ بِهِ، وهَلُمَّ سَيْفَكَ! فوجّهت إلى احُد مع نُسَيَّات معها.[9]
وروى الواقديّ أيضاً بسنده المتّصل عن نَمْلَة بن أبي نملة -و اسم أبي نملة عبد الله بن معاذ وكان أبوه مُعاذ أخ للبراء بن معرور لُامّه- فقال: لمّا انكشف المسلمون ذلك اليوم نظرتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وما معه أحد إلّا نُفَير، فأحدق به أصحابه من المهاجرين والأنصار وانطلقوا به إلى الشِّعب، وما للمسلمين لواء قائم، ولا فئة، ولا جمع، وإنّ كتائب المشركين لتحوشهم مقبلة ومدبرة في الوادي، يلتقون ويفترقون. ما يرون أحداً من الناس يردّهم.
فاتّبعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فأنظر إليه وهو يؤمّ أصحابه. ثمّ رجع المشركون نحو عسكرهم وتآمروا في المدينة وفي طلبنا. فالقوم على ما هم عليه من الاختلاف. وطلع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى أصحابه، فكأنّهم لم يصبهم شيء حين رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم سالماً.[10]
وروى الواقديّ أيضاً بسنده المتّصل عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد قال: سمعتُ محمّد بن مَسْلَمة يقول: سَمِعَتْ اذُنَايَ وأبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ وقَدِ انْكَشَفَ النَّاسُ إلَى الجَبَلِ وهُمْ لَا يَلْوُونَ عَلَيْهِ، وإنَّهُ لَيَقُولُ: إلَيّ يَا فُلَانُ! إلَيّ يَا فُلَانُ![11] أنَا رَسُولُ اللهِ فَمَا عَرَّجَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ عَلَيْهِ ومَضَيَا.[12]
[1] قال في «صحاح اللغة» ص 2363: الارْوِيَّة: الانْثَي مِنَ الوُعُولِ.
[2] الآية 145، من السورة 3: آل عمران.
[3] الآية 144، من السورة 3: آل عمران
[4] وقال الطبريّ في تاريخه، ج 2، ص 521، الطبعة الثانية: لمّا أشرف أبو سفيان علي رسول الله والمسلمين وهو يهمّ بهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس لهم أن يعلونا. اللهمّ إن تُقتل هذه العصابة لا تُعبَد. ثمّ ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم.
[5] «المغازي» للواقديّ، ج 1، ص 295.
[6] قال في التعليقة: في ح: «عمر وعثمان». وذكر البلاذريّ، عن الواقديّ، عثمان ولم يذكر عمر. («أنساب الأشراف» ج 1، ص 326).
[7] مَلَل موضع في طريق مكّة بين الحرمين. قال ابن السكّيت: هو منزل علي طريق المدينة إلى مكّة عن ثمانية وعشرين ميلًا من المدينة. («معجم البلدان» ج 8، ص 153).
[8] الشُّقْرَة موضع بطريق فَيد بين جبال حمر علي نحو ثمانية عشر ميلًا من النخيل وعلي يوم من بئر السائب، ويومين من المدينة («وفاء الوفا» ج 2، ص 330).
[9] «المغازي» للواقديّ، ج 1، ص 277 و278.
[10] «المغازي» للواقديّ، ج 1، ص 238.
[11] قال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 23، طبعة دار إحياء الكتب: حضرتُ عند محمّد بن معد العلويّ الموسويّ الفقيه على رأى الشيعة الإماميّة رحمه الله في داره بدرب الدواب ببغداد في سنة ثمان وستمائة وقارئ يقرأ عنده «مغازي الواقديّ» فقرأ: حدّثنا الواقديّ. وتلا هذا الحديث. فأشار ابن معد إليّ أن أسمع! فقلتُ: وما في هذا؟ قال: هذه كناية عنهما. فقلتُ: ويجوز ألّا يكون عنهما، لعلّه عن غيرهما. قال: ليس في الصحابة من يُحتشم ويُستحيا من ذكره بالفرار وما شابهه من العيب، فيضطرّ القائل إلى الكناية إلّا هما. قلتُ له: هذا وَهْم فقال: دعنا من جدلك ومنعك. ثمّ حلف أنّه ما عنى الواقديّ غيرهما وأنّه لو كان غيرهما، لذكره صريحاً وبان في وجهه التنكّر من مخالفتي له.
[12] «المغازيّ» للواقديّ، ج 1، ص 237. وروى الطبريّ في تأريخه، ج 2، ص 519، و520، الطبعة الثانية، بسنده عن السُّدِّيّ قال: أتي ابن قميئة الحارثيّ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة فرمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بحجر فكسر أنفه ورباعيّته، وشجّه في وجهه فأثقله وتفرّق عنه أصحابه. ودخل بعضهم المدينة وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها. وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يدعو الناس: إليّ عباد الله، إليّ عباد الله. فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا فجعلوا يسيرون بين يديه. فلم يقف أحد إلّا طلحة وسهل بن حنيف.