روى الواقديّ أيضاً عن ابن أبي سَبْرَة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جَهْم، واسم أبي جهم عُبَيد، قال: كان خالد بن الوليد يُحَدِّث وهو بالشام يقول: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي هَدَانِي لِلإسلامِ! لقد رأيتني ورأيت عمر بن الخطّاب حين جالوا وانهزموا يوم احُد، وما معه أحَد. وإنّي لفي كتيبة خشناء فما عرفه منهم أحد غيري. فنكبت عنه وخشيتُ إن أغريتُ به من معي أن يصمدوا له،[1] فنظرتُ إليه موجّهاً إلى الشِّعب.[2]
وروى الطبريّ في تاريخه بسنده عن قاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن نجّار، قال: انتهى أنس بن النضر -عمّ أنس بن مالك- إلى عمر بن الخطّاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم. فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قُتِلَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. قال: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا (كِرَاماً) عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلّم، ثمّ استقبل القوم فقاتل حتى قُتل. وبه سُمّي أنس بن مالك.[3]
والعجيب هنا أنّ بعض هؤلاء العديمي الغيرة الذين كانوا جالسين على الجبل وقد أطلقوا العنان لأنفسهم، قالوا: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن ابيّ فيأخذ لنا أمَنَةً من أبي سفيان!
وذكر الطبريّ في تاريخه أيضاً أنّه لمّا فشا خبر قتل رسول الله صلى الله عليه وآله قال بعض الفارّين إلى الجبل وكانوا على الصخرة: لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ ابَيّ، فَيَأخُذَ أمَنَةً مِنْ أبِي سُفْيَانَ. يَا قَوْمِ! إنَّ مُحَمَّداً قَدْ قُتِلَ! فَارْجِعُوا إلَى قَوْمِكُمْ قَبْلَ أنْ يَأتُوكُمْ فَيَقْتُلُوكُمْ.
قال لهم أنس بن النضر: يَا قَوْمِ! إنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، فَقَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ. اللَهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا يَقُولُ هَؤلاءِ وأبْرَا إلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤْلَاءِ! ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَ حتى قُتِلَ.[4]
وانطلق رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة (و هم الذين اعتزلوا القتال وارتقوا الصخرة)، فلمّا رأوه، وضع رجل سهماً في قوسه فأراد أن يرميه، فقال: أنا رسول الله.[5]
إنّ أنس بن النضر ذلك الرجل الغيور الشهم الوجيه صاحب الحميّة والعزّة وذو المنطق الرزين، الذي ذكرنا كيفيّة استشهاده قد رُمي بالنبال وضُرب بالسيوف حتى أنّ اخته لم تستطع أن تعثر على جسده بعد استشهاده، وما عرفته آخر الأمر إلّا من بنانه أو من ثناياه. وقيل: وجد به سبعون ضربة في جسده، ولم يسلم موضع من بدنه، وإنّما عرفته اخته من بنانه أو من ثناياه.[6]
وأمّا عثمان فقد سمعتم الروايات المنقولة فيه عن تواريخ العامّة الموثّقة. ونذكر فيما يأتي وثيقة تأريخيّة مهمّة اخرى عن الطبريّ الذي يعدّ من المؤرّخين الموثّقين عند العامّة: قال أبو جعفر الطبريّ: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احُد حتى انتهى بعضهم إلى المنقي دون الأعوص. وفرّ عثمان بن عفّان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان (رجلان من الأنصار) حتى بلغوا الجَلْعَب (و هو جبل بناحية المدينة ممّا يلي الأعوص) فأقاموا به ثلاثاً. ثمّ رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فزعموا أنّه قال لهم: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيهَا عَرِيضَةً.[7]
ولم يفرّ عثمان فحسب، بل لمّا قدم المدينة آوى معاوية بن المغيرة ابن أبي العاص الذي كان من ألدّ أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وقد اشترك في هذه الغزوة. وهو الذي زعم أنّه مثّل بحمزة سيّد الشهداء عليه السلام وشقّ شفتي رسول الله وكسر رباعيّته. وكان رسول الله قد هدر دمه. ولمّا دلّت رقيّة بنت رسول الله الصحابة الذين كانوا يبحثون عنه على مكانه في البيت، ضربها بعصا رحله حتى اعتلّت ولزمت الفراش، ثمّ ماتت بعد ذلك.[8]
ونحن نذكر هذه القضيّة عن مغازي الواقديّ الذي يعدّ من أقدم الوثائق التأريخيّة وأوثقها: قال الواقديّ: وكان معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قد انهزم يومئذٍ، فمضى على وجهه، فنام قريباً من المدينة. فلمّا أصبح دخل المدينة فأتى منزل عثمان بن عفّان، فضرب بابه، فقالت امرأته امّ كلثوم ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس هو هاهنا. هو عند رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال معاوية: فارسلي إليه فإنّ له عندي ثمن بعير اشتريته عام أوّل فجئته بثمنه، وإلأ ذهبتُ. قال: فأرسلتْ أمّ كلثوم[9] إلى عثمان، فجاء.
فلمّا رآه قال: وَيْحَكَ! أهْلَكْتَنِي وأهْلَكْتَ نَفْسَكَ. مَا جَاءَ بِكَ؟ قال: يا بن عمّ! لم يكن لي أحد أقرب إليّ منك ولا أحقّ! فأدخله عثمان في ناحية البيت. ثمّ خرج إلى النبيّ صلى الله عليه وآله يريد آن يأخذ له أماناً.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قبل أن يأتيه عثمان: إنّ معاوية قد أصبح بالمدينة فاطلبوه. فطلبوه فلم يجدوه. فقال بعضهم: اطلبوه في بيت عثمان بن عفّان. فدخلوا بيت عثمان، فسألوا امّ كلثوم، فأشارت إليه فاستخرجوه من تحت حِمارة[10] لهم، فانطلقوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعثمان جالس عند رسول الله صلى الله عليه وآله فلمّا رآه عثمان قد اتي به قال: والذي بعثك بالحقّ، ما جئتك إلّا أن أسألك أن تؤمّنه! فهبه لي يا رسول الله! فوهبه له وأمّنه وأجّله ثلاثاً، فإن وُجدِ بعدهنّ قُتِل.
قال: فخرج عثمان من دار الرسول الأكرم فاشترى له بعيراً وجهّزه. ثمّ قال: ارتحل. فارتحل. وسار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حمراء الأسد.[11] وخرج عثمان مع المسلمين إلى حمراء الأسد أيضاً. وأقام معاوية بن المغيرة في المدينة حتى كان اليوم الثالث، فجلس على راحلته وخرج حتى إذا كان بصدور العقيق، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: إنّ معاوية قد أصبح قريباً فاطلبوه. فخرج الناس في طلبه، فإذا هو قد أخطأ الطريق، فخرجوا في أثره حتى أدركوه في اليوم الرابع.
وكان زيد بن حارثة، وعمّار بن ياسر أسرعا في طلبه. فأدركاه بالجمّاء. فضربه زيد بن حارثة. وقال عمّار: إنّ لي فيه حقّاً. فرماه عمّار بسهم فقتلاه. ثمّ انصرفا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم فأخبراه. ويقال: ادرك بثَنِيَّة الشَّريد على ثمانية أميال من المدينة، وذلك حيث أخطأ الطريق. فأدركاه، فلم يزالا يرميانه بالنبل، واتّخذاه غرضاً حتّى مات.[12]
وقال المؤرّخون: كان خلال الأيّام الثلاثة التي أقامها في المدينة يتسقّط أخبار النبيّ والمسلمين ليوافي بها كفّار قريش.
[1] عمر بن الخطّاب ابن عمّة خالد بن الوليد. (السيرة الحلبيّة ج 3، ص 220؛ و«تاريخ أبو الفداء» ج 7، ص 115).
[2] «المغازي» للواقديّ، ج 1، ص 237. ذكر الشيخ الطبرسيّ في «إعلام الوري» ص 90، ما نصّه: فخرج كمين المشركين عليهم خالد بن الوليد فانتهى إلى عبد الله بن جبير فقتله. ثمّ أتى الناس من أدبارهم، ووضع في المسلمين السلاح فانهزموا. وصاح إبليس لعنه الله: قُتِلَ مُحَمَّدُ. ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يدعوهم في اخراهم: أيُّهَا النَّاسُ! أنَا رَسُولُ اللهِ وإنَّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي النَّصْرَ فَإلَيّ، أيْنَ الفَرَار؟ فيسمعون الصوت ولا يلوون على شيء. وذهبت صيحة إبليس حتى دخلت بيوت المدينة. فصاحت فاطمة عليها السلام ولم تبق هاشميّة ولا قرشيّة إلّا وضعت يدها على رأسها وخرجت فاطمة تصرخ.
[3] «تاريخ الامم والملوك» للطبريّ، ج 2، ص 517، الطبعة الثانية، دار المعارف بمصر؛ ونقلها أبو الفداء أيضاً في تاريخه؛ وكذلك أوردها ابن كثير الدمشقيّ في «البداية والنهاية» ج 4، ص 34.
[4] ذكرها ابن الأثير أيضاً في «الكامل» ج 2، ص 156 و157. وجاء في كتاب «النصّ والاجتهاد» ص 248، الطبعة الثانية: أنّ أنس بن النضر سمع نفراً من الفارّين -و فيهم عمر وطلحة- يقولون لمّا سمعوا أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم قُتِل: ليت لنا من يأتي عبد الله بن ابيّ بن سلّول ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان قبل أن يقتلونا. فقال لهم أنس: يا قوم! إن كان... إلى آخره.
[5] «تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 520، الطبعة الثانية.
[6] قال الواقديّ في «المغازي» ج 1، ص 280: وقالوا: أتينا عمر بن الخطّاب في رهط من المسلمين قعوداً، ومرّ بهم أنس بن النضر بن ضمضم عمّ أنس بن مالك فقال: ما يقعدكم؟ قالوا: قُتل رسول الله. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه. ثمّ جالَد بسيفه حتى قُتل. فقال عمر بن الخطّاب: إنّي لأرجو أن يبعثه الله امّة وحده يوم القيامة. ووجد به سبعون ضربة في وجهه. ما عرف حتى عرفتْ اخته حُسن بنانه أو حُسن ثناياه. وذكر ابن الأثير قصّته في «الكامل» ج 2، ص 156.
[7] «تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 522، الطبعة الثانية. وجاء في الجزء الأوّل من «السيرة الحلبيّة»، ص 240 أيضاً: ومن المنهزمين عثمان بن عفّان، والوليد بن عقبة، وخارجة بن زيد، ورفاعة بن المعلّى، أقَامُوا ثَلَاثَةَ أيَّامٍ ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ: ذَهَبْتُمْ فِيهَا عَرِيضَةً.
[8] أورد ابن الأثير الجزريّ قصّة معاوية بن المغيرة مفصّلًا في «كامل التواريخ» ج 2، ص 165، طبعة بيروت. ونصّ على أنّه هو الذي جدع أنف حمزة ومثّل به.
[9] الصحيح رقيّة. ذلك أنّ عثمان تزوّج امّ كلثوم بعد وفاة رقيّة. وكانت وفاتها في سنة 9 هـ. ونقل المؤرّخون، وكذلك نصّ عليه المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 6، ص 707 و708، طبعة الكمبانيّ، أنّ رقيّة تزوّجها عتبة، وامّ كلثوم تزوّجها عتيق -و هما ابنا أبي لهب- قبل الإسلام. ثمّ طلّقاهما قبل زفافهما بأمر أبي لهب. فتزوّج عثمان رقيّة بالمدينة وولدت له عبد الله صبيّاً لم يجاوز ستّ سنين، وكان ديكٌ نَقَرَهُ على عينه فمات. وتزوّج بعدها امّ كلثوم. وماتت في السنة التاسعة من الهجرة.
[10] جاء في نهاية ابن الأثير، ج 1، ص 258: الحمارة ثلاثة أعواد يشدّ بعض أطرافها إلى بعض ويخالَف بين أرجلها وتعلّق عليها الإداوة ليبرد الماء.
[11] قال في «شرح المواهب اللدنّيّة» ج 2، ص 70: حمراء الأسد علي ثمانية أميال -و قيل عشرة- من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة.
[12] «المغازي» للواقديّ»، ج 1، ص 333 و334.