كان عثمان نفسه يعترف أنّه فرّ في معركة احُد ثلاثة أيّام كما أنّ عمر كان يعدّه في الفارّين. قال الواقديّ: كان بين عبد الرحمن بن عوف وعثمان كلام. فأرسل عبد الرحمن إلى الوليد بن عُقبة فدعاه فقال: اذهب إلى أخيك فبلّغه عنّي ما أقول لك، فإنّي لا أعلم أحداً يبلّغه غيرك. قال الوليد: أفعل.
قال: قل، يقول لك عبد الرحمن: شهدتُ بدراً ولم تشهد! وثبتُ يوم احُد وولّيتَ عنه! وشهدتُ بيعة الرضوان ولم تشهدها! فجاءه فأخبره. فقال عثمان: صدق أخي. تخلّفتُ عن بدر على ابنة رسول صلى الله عليه وآله وسلّم وهي مريضة. فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بسهمي وأجرى فكنت بمنزلة من حضر. وولّيتُ يوم احُد فقد عفا الله ذلك عنّي. فأمّا بيعة الرضوان، فإنّي خرجتُ إلى أهل مكّة، بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: إنّ عثمان في طاعة الله وطاعة رسوله، وبايع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم إحدى يديه الاخرى، فكانت شمال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم خيراً من يميني. فقال عبد الرحمن حين جاءه الوليد بن عُقبة: صدق أخي.
وقال الواقديّ: ونظر عمر بن الخطّاب إلى عثمان بن عفّان فقال: هذا ممّن عفا الله عنه، والله ما عفا الله عن شيء فردّه، وكان تولّى يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ.
وقال أيضاً: وسأل رجل عبد الله بن عمر عن عثمان فقال: إنّه أذنب يوم احُد ذنباً عظيماً، فعفا الله عنه، وهو مِمَّن تَوَلَّى يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، وأذنب فيكم ذنباً صغيراً فقتلتموه![1]
والآن ينبغي أن نعرف: هل عُفي عن عثمان؟ وهل صفح الله عنه وغفر له كما استفاد ذلك عمر وابنُه من الآية القرآنيّة الكريمة؟ أم لا.
ليس كذلك، ولا يستفاد من الآية الكريمة المباركة أبداً أنّ الله قد عفا عنه وغفر له؟
وعلينا أن نعرف سلفاً أنّ الفرار من ساحة القتال بلا عذر شرعيّ بيّنه الله، كبيرة من الكبائر عموماً، وهو من أشدّ أقسام المعاصي الكبيرة التي أوعد القرآن الكريم عليها جهنّم. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ، ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ.[2]
[1] انظر «المغازي» للواقديّ، ص 278 و279. وذكر ابن أبي الحديد هذه الروايات الثلاث في «شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 21 و22، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة. وقال ابن الأثير الجزريّ في «الكامل» ج 2، ص 158، طبعة بيروت: وانتهت الهزيمة بجماعة المسلمين، فيهم عثمان بن عفّان وغيره إلى الأعوص. فأقاموا به ثلاثاً ثمّ أتوا النبيّ صلى الله عليه وآله فقال لهم حين رآهم: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيهَا عَرِيضَةً.
[2] الآيتان 15 و16، من السورة 8: الأنفال.