قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ، ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ.[1]
في هذه الآية أنّ المسلم لا يحقّ له أن يولّي العدوّ دبره إلّا في حالتين لا غير: الاولى: إذا أراد مثلًا أن ينتقل من الميمنة إلى الميسرة أومن القلب إلى الجناح لمصلحة قتاليّة. الثانية: إذا أراد أن يلحق بطائفة من المسلمين أو غير المسلمين ليستمدّهم القوّة والعِدّة والعُدّة للقتال. وفي غير هاتين الحالتين لا يجوز الفرار من لقاء الكفّار. ومَن فعل فإنّه موعَد بغضب الله وناره.[2]
وإذا تبيّن هذا الموضوع فإنّا نقول: على ما ذا يُحمل فرار عثمان ثلاثة أيّام في نقطة نائية عن المدينة غير البَوْء بغضب الله ومأواه جهنّم وبئس المصير؟ كيف غفر الله له؟ هل نُسخت الآية النازلة فيه وفي أترابه؟ علماً أنّه لم يصلنا عن عثمان نفسه أنّه قد خجل واستحيا من فعله وتاب إلى الله توبةً نصوحاً.
وأمّا من استدلّ على غفرانه بقوله تعالى: ولَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. فليعلم أنّ هذه الآية لا تدلّ على غفران. فالعفو هنا يعني عدم المؤاخذة الدنيويّة، وعدم إجراء الكفّارة وعدم تنفيذ حكم الإعدام فيه. وإلّا فإنّ حكم الإسلام في المتخلّف عن ساحة القتال مع الكفّار الإعدام. والله تعالى لم يطبّق هذا الحكم على عثمان ونظائره، إذ ليس إلى ذلك من سبيل لأنّه لو طبّقه لُاعدم أكثر من نصف الجيش الذي شهد احُداً، وهذا ليس في مصلحة الإسلام الفتيّ، وإلّا لا يبقى أحد من المسلمين.
جاء حكم العفو الإلهيّ في آيتين من الآيات الواردة في سورة آل عمران ويختلف العفو في هاتين الحالتين: الاولى: هذه الآيات: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ولا ما أَصابَكُمْ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ.[3]
ونرى في هذه الآيات أنّ طائفة من الذين فرّوا رجعوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وكانوا عنده، فأثابهم الله غمّاً بغمّ، ثمّ غشاهم الاطمئنان والنعاس. وهؤلاء قد شملهم العفو بمعنى الغفران. ويؤيّد هذا المعنى قوله بعد العفو: واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
أمّا الذين فرّوا ولم يرجعوا إلى النبيّ في ساحة القتال، فهم المعنيّون بقوله تعالى: وطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ. إلى قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.[4]
ولم يرد غفران ورحمة للذين فرّوا ولم يرجعوا وكانوا يهتمّون بحفظ أنفسهم وحصانتها. والعفو يعني الصفح وعدم المحاكمة في الدنيا. والدليل على ذلك قوله: أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. وهو صبور على أعمالهم، ولم يقل: «رحيم»، أي: يرحمهم ويعطف عليهم.
إذاً، العفو الأوّل يشمل الذين ندموا على فرارهم وعادوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وكان هذا في وقت فارق رسول الله صلى الله عليه وآله فيه المشركين وجاء إلى الشِّعب، وإن كان رجوع هذه الطائفة من المؤمنين تدريجيّاً وبعد علمهم بأنّ رسول الله لم يُقتل. وفيهم قال تعالى: واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
أمّا العفو الثاني فيشمل الذين واصلوا فرارهم وظنّوا بالنبيّ سوءاً، وقالوا: لو كنّا على الحقّ ما قُتِلنا. وفيهم قال سبحانه: أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
ومن الطبيعيّ أنّ الكلام يحوم حول المؤمنين من الصحابة إذ كانوا فريقين، ولا علاقة له بالمنافقين، لأنّ الله تبارك وتعالى يبيّن حالة المنافقين كعبد الله بن ابيّ وزمرته في آيات اخرى مستقلّة ستأتي.[5]
واعترف عمر نفسه أنّه فرّ يوم احُد. قال ابن أبي الحديد:[6] واحتجّ من روى أنّ عمر فرّ يوم احُد بما روى أنّه جاءته في أيّام خلافته امرأة تطلب بُرداً من برود كانت بين يديه، وجاءت معها بنت لعمر تطلب بُرداً أيضاً، فأعطى المرأة وردّ ابنته، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ أبا هذه ثبت يوم احُد، وأبا هذه فرّ يوم احُد ولم يثبت.[7]
[1] الآيتان 15 و16، من السورة 8: الأنفال.
[2] لا تقتصر خيانات عثمان وجناياته على الفرار من الزحف، وإيواء معاوية بن المغيرة الذي مثّل بحمزة. وقتل السيّدة رقيّة بالضرب. فمن جناياته الاخرى إيواؤه (خفيةً) أخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وجلبه إلى المدينة. قال الطبريّ وابن الأثير في تاريخهما في باب خلافة عثمان: لمّا زادت المعارضات على عثمان بن عفّان، وأنكر عليه الناس كثيراً من اموره، استشار مروان بن الحكم، ومعاوية. فأشارا عليه بإنفاذ عسكر لفتح إفريقية حتى ينشغل الناس به، ولا يجدوا مجالًا للكلام فيه، فَلَا يَكُونُ هِمَّةُ أحَدِهِمْ إلَّا دُبَرة خَيْلِهِ والقُمَّلُ يَجْرِي على ظَهْرِهِ. وكذلك ذكر الطبريّ، وابن الأثير، وصاحب «الاستيعاب» في ترجمة عبد الله بن سعد بن أبي سرح أنّ عثمان سرّح جيشاً إلى إفريقية وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح. ولمّا فتح عبد الله إفريقية، دفع إليه عثمان خراجها كلّه لم يُشرك معه أحداً. وعبد الله هذا هو الذي ارتدّ وكفر بعد إسلامه فهدر رسول الله صلى الله عليه وآله دمه. ولمّا سار رسول الله إلى فتح مكّة، أوصى صحابته بقتله حيث وجدوه حتى لو كان متعلّقاً بأستار الكعبة. لكنّ عثمان أخفاه في مكّة. ولمّا تمّ فتح مكّة، أتى به عثمان إلى رسول الله مستشفعاً. فلم يقل رسول الله شيئاً، وانتظر حتى يقوم أحد أصحابه فيقتله. فقال عمر: هلّا أو مات يا رسول الله بقتله؟! فقال: نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لَا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ لَنَا خَائِنَةُ الأعْيُنِ.
[3] من الآية 152 إلى قسم من الآية 154، من السورة 3: آل عمران.
[4] قسم من الآية 154 والآية 155، من السورة 3: آل عمران.
[5] استهدينا في هذا الموضوع بكتاب «الميزان في تفسير القرآن» ج 4، ص 43 إلى 54. وقد عرضناه ملخّصاً.
[6] نقل ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 11، ص 100، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، رواية عن فضيل بن عياض في عمر، قال فيها: أعطى رجلًا عطاءه أربعة آلاف درهم ثمّ زاده ألفاً. فقيل له: أ لا تزيد ابنك عبد الله كما تزيد هذا؟ قال: إنّ هذا ثبت أبوه يوم احُد، وإنّ عبد الله فرّ أبوه ولم يثبت.
[7] ومن الأدلّة على فرار عمر وعثمان التشيّع الذي نسبه البعض إلى الواقديّ لأنّه لم يجعلهما في مكانتهما المعهودة كما جاء في كثير من مواضع كتابه، ومن ذلك أنّه سمّي في كتابه عثمان وعمر، أو عمر، أو عثمان، وعدّهما من الفارّين في غزوة احُد. قال الدكتور مارسدن جونس في ص 18 من مقدّمته على كتاب «المغازي» للواقديّ: مثلًا في المخطوطة التي اتّخذناها أصلًا لهذه النشرة، نرى قائمة بمن فرّ عن النبيّ يوم احُد، تبدأ بهذه الكلمات: وكان ممّن ولّى فلان، والحارث بن حاطب، وثعلبة بن حاطب، وسواد بن غزية، وسعد ابن عثمان، وعقبة بن عثمان، وخارجة بن عامر، وقد بلغ «ملل»، وأوس بن قيظي في نفر من بني حارثة، بينما نرى النصّ عند ابن أبي الحديد عمر وعثمان بدلًا من فلان. ويروي البلاذريّ عن الواقديّ عثمان، ولا يذكر عمر. ويظهر بوضوح أنّ النصّ في المخطوطة الامّ كان يذكر عثمان وعمر، أو عمر وحده، أو عثمان وحده ممّن ولّوا الأدبار يوم احد. ولكنّ الناسخ لم يقبل هذا في حقّ عمر أو عثمان، فابدل اسميهما أو اسم أحدهما بقوله: فلان. ولا شكّ أنّ نصّ الواقديّ الأصليّ وقع في أيدي طائفة من الشيعة وقرؤوا فيه هذه الأخبار التي أوردها في حقّ عمر وعثمان مثلًا، فاعتقدوا أنّه شيعيّ قطعاً. انتهى موضع الحاجة من كلام الدكتور مارسدن جونس. وقال الواقديّ في مغازيه، ج 1، ص 271: حدّثنا يعقوب بن محمّد، عن موسى بن ضمرة بن سعيد، عن أبيه، قال: اتِيَ عمرُ بن الخطّاب بمُروط (المِرط كساء من خزّ أو كتّان)، فكان فيها مرط واسع جيّد. فقال بعضهم: إنّ هذا المِرط لثمن كذا وكذا (المرط يُشبه الدِّثار في يومنا هذا) فلو أرسلتَ به إلى زوجة عبد الله بن عمر صفيّة بنت أبي عُبَيد -و ذلك حِدثان ما دخلت على ابن عمر- فقال: أبعث به إلى من هو أحقّ منها، امّ عُمارة نُسَيبة ابنة كعب. سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يوم احُد يقول: ما التفتُّ يميناً ولا شمالًا إلّا وأنا أراها تقاتل دوني. وهذه القصّة تماثل القصّة السابقة أيضاً.