من الأدلّة الرصينة على فرار عمر بن الخطّاب رواية ذكرها الواقديّ في مغازيه وهي تدور حول قصّة الحُدَيبيّة، عن أبي سعيد الخُدريّ قال: كنت جالساً يوماً عند عمر بن الخطّاب فقال: لقد دخلني يومئذ من الشكّ، وراجعت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم يومئذٍ مراجعة ما راجعته مثلها قطّ. ولقد عتقتُ فيما دخلني يومئذٍ رقاباً، وصمتُ دهراً وإنّي لأذكر ما صنعتُ خالياً فيكون أكبر همّي.
وينقل عمر القصّة هنا مفصّلًا، ويستمرّ الراوي فيقول: وقال عمر ورجال معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله! ألم تكن حدّثتنا أنّك ستدخل المسجد الحرام، وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرّف مع المعرّفين؟! وهَدْينا لم يصل إلى البيت ولا نحن!
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: قُلْتُ لَكمْ في سَفَرِكُمْ هَذَا؟! قال عمر: لَا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: أمَا إنَّكُمْ سَتَدْخُلُونَهُ، وآخُذُ مِفْتَاحَ الكَعْبَةِ، وأحْلِقُ رَأسِي ورُؤُوسَكُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ، واعَرِّفُ مَعَ المُعَرِّفِينَ.
ثم أقبل على عمر، فقال: أنَسِيتُمْ يَوْمَ احُدٍ إذْ تُصْعِدُونَ ولَا تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وأنَا أدْعُوكُمْ في اخْرَاكُمْ؟! أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزَابِ[1] إذْ جَاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ ومِنْ أسْفَلَ مِنْكُمْ وإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ؟! أنَسِيتُمْ يَوْمَ كَذَا؟!
وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُذَكِّرُهُمْ امُوراً - أنَسِيتُمْ يَوْمَ كَذَا؟
فقال المسلمون: صدق الله ورسوله يا نبيّ الله، ما فكّرنا فيما فكّرت فيه. لأنتَ أعلم بالله وبأمره منّا.
فلمّا دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عام القضيّة (عمرة القضاء) وحلق رأسه، قال: «هذا الذي وعدتكم». فلمّا كان يوم الفتح أخذ المفتاح فقال: «ادعوا لي عمر بن الخطّاب، فقال: هذا الذي قلتُ لكم». فلمّا كان في حجّة الوداع بعَرَفة فقال: «أي عمر، هذا الذي قلتُ لكم».[2]
يقول المستدلّون على فرار عمر أنّه لو لم يفرّ يوم احُد، لما قال له رسول الله: «أنسيتم يوم احُد إذ تُصعِدون ولا تلوون على أحد»؟[3]
[1] قال المستشار عبد الحليم الجنديّ في كتاب «الإمام جعفر الصادق» ص 21: وفي يوم الخندق أزفت الآزفة حيث تيمّم المشركون مكاناً ضيّقاً فاقتحموه بخيلهم. فخرج لهم عليّ بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها. وكان عمرو بن عبد ودّ -فارس العرب- يريد أن يعرف مكانه يوم الخندق. فنادى من فوق الخيل: هل من مبارز؟ فبرز له عليّ. قال له عمرو: ما احبّ أن أقتلك لما بيني وبين أبيك. وأصرّ عليّ ونزل عمرو عن فرسه، وتجاولا. فما انجلى النقع حتى قتله عليّ. وفرّ أصحاب الثغرة بخيولهم منهزمين.
[2] «المغازي» للواقديّ، ج 2، ص 607 إلى 609. وذكر الشيخ المفيد في «الإرشاد» ص 82، الطبعة الحجريّة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لمّا حاصر الطائف بعد فتح مكّة، ودام ذلك الحصار أكثر من عشرة أيّام، أنفذ أمير المؤمنين عليه السلام ليكسر كلّ صنم وجده. فكسر الأصنام وعاد إلى رسول الله. فلمّا رآه كبّر للفتح وأخذ بيده فخلا به وناجاه طويلًا. فأتاه عمر بن الخطّاب، فقال: أ تُنَاجِيهِ دُونَنَا وتَخْلُو بِهِ؟! فقال: يَا عُمَرُ! مَا أنَا انْتَجَيْتُهُ، بَلِ اللهُ انْتَجَاهُ. فأعرض عمر وهو يقول: هَذَا كَمَا قُلْتَ لَنَا يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامِ إن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ، فَلَمْ نَدْخُلُهُ وصُدِدْنَا عَنْهُ. فَنَادَاهُ النَّبِيّ: لَمْ أقُلْ لَكُمْ إنَّكُمْ تَدْخُلُونَهُ في ذَلِكَ العَامِ. ووردت في ص 527 من كتاب «غاية المرام» ثمانية أحاديث عن طريق العامّة، وثمانية عشر حديثاً عن طريق الخاصّة في مناجاة رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام.
[3] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد ج 15، ص 25، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة؛ ذكر ابن أبي الحديد غزوة احُد مفصّلًا في الجزء المذكور، ص 3 إلى 60.