قال الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسيّ قدّس الله نفسه صاحب تفسير «مجمع البيان» في كتابه النفيس الممتع «إعلام الوري»: وضع عليّ بن أبي طالب عليه السلام رأس رسول الله صلى الله عليه وآله في حجره، فاغمي عليه، وأكبّت فاطمة تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول: ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه وقال بصوت ضئيل: يَا بُنَيَّةُ! هَذَا قَوْلُ عَمِّكِ أبِي طَالِبٍ، لَا تَقُولِيهِ! ولَكِنْ قُولِي: «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم».
فبكت طويلًا فأومأ إليها بالدنو منه. فدنت إليه. فأسرّ إليها شيئاً تهلّل له وجهها.[1] ثمّ قضى ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه، ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها. ثمّ وجّهه وغمّضه ومدّ عليه إزاره واشتغل بالنظر إلى أمره.
فسئلت: ما الذي قال لك رسول الله فسرى عنك؟! قالت: أخبرني أنّي أوّل أهل بيته لحوقاً به وأنّه لن تطول المدّة بي بعده حتى أدركه فسرى ذلك عنّي.[2]
ومن الواضح هنا أنّ رسول الله لم يُرِدْ أن يمنع فاطمة من حقيقة ومفاد الشعر الرفيع الذي أنشده أبو طالب عليه السلام. بل أراد أن يُشعرها بأنّ يوماً عصيباً ينتظرها، وأنّ الراجعين عن الإسلام سوف يقتلونها ويغصبون حقّها وحقّ بعلها، وكلّهم سيعودون إلى البربريّة والجاهليّة حسب هذه الآية. وأنّها وبعلها عليّ بن أبي طالب من الشاكرين، وأنّ ذيل الآية: وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ تعنيهما.
كيف يمكن أن نتصوّر أنّ رسول الله يمنع بنته من شعر حاميه ومعينه وناصره الوحيد في مكّة في حين أنّه عند ما ذكر شعر أبي طالب سُرَّ سروراً بالغاً حتى ضحك من شدّة السرور والفرح؟
[1] روى البخاريّ في صحيحه، ج 6، ص 10، طبعة بولاق، باب مرض النبيّ من كتاب النبيّ بسنده عن عائشة قالت: دعا النبيّ صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام في شكواه الذي قبض فيه، فسارّها بشيء فبكت. ثمّ دعاها فسارّها بشيء فضحكت. فسألنا عن ذلك، فقالت: سارّني النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه يُقبض في وجعه الذي توفّي فيه فبكيت. ثمّ سارّنى فأخبرني أنّي أوّل أهله يتبعه فضحكتُ.
[2] «إعلام الورى بأعلام الهدي» ص 143. وذكرها الشيخ المفيد أيضاً في «الإرشاد» ص 173، طبعة إسلاميّة الحديثة سنة 1364 هـ. ش. وروى ابن سعد في طبقاته، ج 2، ص 193، بسنده عن ابن عبّاس أنّه لمّا نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فقال: إنّي نُعِيَتْ إلَيّ نفسي. قالت: فبكيتُ. فقال: لا تبكِ فإنّكِ أوّل أهلي بي لحوقاً فضحكتُ. وقال رسول الله «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ» وجاء أهل اليمن وهم أرقّ أفئدة والإيمان يُمَان، والحكمة يمانيّة. (فاستعدّ للارتحال إلى ربّك بالحمد والتسبيح والثناء، فهو التوّاب الغفّار).