ذكر عليّ بن عيسى الإربليّ في باب معجزات رسول الله أنّ من معجزاته نزول المطر بدعائه صلى الله عليه وآله، وذلك حين شكا إليه أهل المدينة فدعا الله، فمطروا حتى أشفقوا من خراب دورها فسألوه في كشفه، فقال: اللهُمَّ حَوَالَيْنَا ولَا عَلَيْنَا. فَاسْتَدَارَ حتى صَارَ كَالإكْلِيلِ والشَّمْسُ طَالِعَةٌ في المَدِينَةِ، والمَطَرُ يَجِيءُ عَلَى مَا حَوْلَهَا يرى ذَلِكَ مُؤْمِنُهُمْ وكَافِرُهُمْ.
فضحك صلى الله عليه وآله وقال: لِلَّهِ دَرُّ أبِي طَالِبٍ لَوْ كَانَ حَيَّاً قَرَّتْ عَيْنَاهُ. فقام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقال: يا رسول الله! كأنّك تريد قوله:
وَأبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامَ بِوَجهِهِ ***** ثِمَالُ اليَتَامَى عِصمَةٌ لِلأرَامِلِ
يَلُوذُ بِهِ الهُلَّاكُ مِن آلِ هَاشِمٍ ***** فَهُم عِندَهُ فِي نِعمَةٍ وَفَوَاضِلِ[1]
وأخرج البخاريّ في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: ربّمأ ذكرتُ قول أبي طالب وأنا أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله على المنبر يستسقى. فما ينزل حتى يجيش كلّ ميزاب:
وَأبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامَ[2] بِوَجهِهِ ***** ثِمَالُ اليَتَامَى عِصمَةٌ لِلأرَامِلِ[3]
وروى البيهقيّ في «دلائل النبوّة» عن أنس أنّ أعرابيّاً جاء فقال: يا رسول الله! لقد أتيناك مَا لَنَا بعيرٌ يَنَطُّ،[4] ولَا صَبِيّ يَصِيحُ. فصعد صلى الله عليه وآله المنبر ثمّ رفع يديه فقال: اللهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً، مَرِيَّاً مَرِيعاً، غَدَقاً طَبَقاً، عَاجِلًا غَيْرَ رَابِثٍ،[5] نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ! فما ردّ يديه في نحره حتى ألقت السماء بأردافها، وجاءوا يضجّون: الغَرَقَ الغَرَقَ.
فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بدت نواجذه، ثمّ قال: لِلَّهِ دَرُّ أبِي طَالِبٍ لَوْ كَانَ حَيَّاً قَرَّتْ عَيْنَاهُ، مَنْ يُنْشِدُنَا قَوْلَهُ؟ فقام عليّ عليه السلام فقال: يا رسول الله! كأنّك أردت قوله:
وَأبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامَ بِوَجهِهِ ***** ثِمَالُ اليَتَامَى عِصمَةٌ لِلأرَامِلِ
يَلُوذُ بِهِ الهُلَّاكُ مِن آلِ هَاشِمٍ ***** فَهُم عِندَهُ فِي نِعمَةٍ وَفَوَاضِلِ[6]
وقال السيوطيّ أيضاً: هذا من قصيدة لأبي طالب يمدح بها النبيّ صلى الله عليه وآله ويصف تمالؤ قريش عليه، وأوّلها:
وَلَمَّا رَأَيتُ القَومَ لَا وِدَّ فِيهِمُ ***** وَقَد قَطَعُوا كُلَّ العُرَى وَالوَسَائِلِ
وأضاف العلّامة الأمينيّ بعد البيتين اللذين يبدآن بقوله: وأبيض... ويلوذ به الهلّاك... هذا البيت:
وَمِيزَانُ عَدْلٍ لا يخيسُ شَعِيرَةً ***** وَوَزَّانُ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ هَائِلِ[7]
يستبين من هذه المطالب أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحبّ السيّد أبا طالب حبّاً شديداً، وكان يهتمّ بشعره اهتماماً تامّاً، بَيدَ أنّه كان يرى في تلك المرحلة العصيبة -وهو على فراش الموت- وقائع مقلقة إلى درجة أنّ شعر أبي طالب يُنسى معها.[8]
هل يمكن أن نتصوّر خطراً أكثر من طعن رسول الله بالهذيان والتخريف؟ ومن ثمّ عزل وليّ الدين الأعظم عليّ المرتضى سيّد الوصيّين أحد الثقلَين عن رئاسة المسلمين وزعامتهم؟ والتجرّؤ على ساحة الرسول الأكرم بوصفه بالهجر حين طلب كتفاً ودواة ليُحكم أمر عليّ، ويعلن للناس وصايته بتعليمات خطّيّة مؤكّدة، ناهيك عن خطبه وكلماته التي كان يُدلي بها! وإثارة الضجّة برفع الصوت عالياً بكلمة: كَفَانَا كِتَابُ اللهِ، وإكثار اللغط والجَلَبة والضوضاء؟ وإيذاء رسول الله وإعناته، ليفارق الدنيا مغموماً مهموماً حزيناً، بعد ثلاث وعشرين سنة من القيام بمهمّة النبوّة؟
[1] كشف الغمّة ص9، الطبعة الحجرية.
[2] قال في جامع الشواهد: الغمام منصوب بنزع الخافض. يعني: من الغمام _ انتهى. فيكون قوله: "بوجهه" نائب فاعل للفعل المجهول: يُسْتَسْقَى.
[3] "شرح شواهد المغني" لجلال الدين السيوطي، ج1، ص398. علماً أنَّ ابن هشام صاحب كتاب مغني اللبيب ذكر هذا البيت في مُغنيه، الباب الأول، حرف (رُبَّ) وقال: قوله: "وأبيض" مجرور برُبَ المحذوفة، أي روبَ أبيض ورةب هنا للتقليل. وعلى هذا النهج ذكر "جامع الشواهد" هذا البيت مع البيتين الأخيرين. أما السيوطي فقد قال في شرح شواهد المغني: "أبيض" منصوب بالعطف على قوله: "سيّداً" في البيت السابق للبيت الذي فيه قوله "وأبيض" وأما على فرض بعديّته، فلا يتم كما يستبين ذلك من كلام السيوطي.
[4] في «الأمالي» للمفيد: يئطّ. وأطَّ الإبل: حنَّت.
[5] وفيه أيضاً: غير رائث، وراث: أبطأ.
[6] "شرح شواهد المغني" للسيوطي، ج1، ص398.
[7] «الغدير» ج 7 ، ص 346 ، عن (شرح صحيح البخاريّ) للقسطلاني ، ج 2 ، ص 227 ؛ و«المواهب اللدنّيّة» ج 1 ، ص 48 ؛ و«الخصائص الكبرى» ج 1 ، ص 86 و 4124 و«شرح بهجة المحافل» ج 1 ، ص 119 ؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 1 ، ص 125؛ و(السيرة الثبويَّة» لزيني دحلان في حاشية «الحلبيّة» ج 1، ص 87؛ و «طلبة الطالب» ص 42.
[8] «شرح شواهد المغني» للسيوطيّ، ج 1، ص 395 إلى 398.