قال مير خواند -وهو سنّيّ المذهب- في «روضة الصفا»: قالت امّ سلمة: شدّ رسول الله على رأسه المبارك عصابة أيّام مرضه، وصعد المنبر، واستهلّ كلامه بالاستغفار لشهداء احُد، ثمّ أمر بسدّ أبواب الصحابة الشارعة في المسجد إلّا باب عليّ. وقال: لا بدّ من صحبته لي وصحبتي له.
قال عمر: يا رسول الله! إئذن لي أن أدع خوخة أرى فيها خروجك من البيت إلى المسجد! فلم يأذن له. فقال أحد الصحابة: يا رسول الله! ما هو المراد من فتح الأبواب؟! وما سبب سدّها؟ قال: ما بأمري سددتها ولا بأمري فتحتها.
(إلى أن قال): روى علماء السير أنّه لمّا اشتدّت العلّة برسول الله وكان أصحابه مجتمعين حوله في حجرته قال: إئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده. فاختلفوا، فمن قائل: قرّبوا يكتب لكم. ومن قائل: هل هذا كلام من اشتدّ به المرض، أم كلام جِدّ؟ فقال عمر: غلب على رسول الله الوجع. عندنا القرآن حسبنا كتاب الله. فمنهم من أيّد عمر، ومنهم من أصرّ على خلافه وقالوا: قرّبوا له ما أراد، فاختصموا، وعلت الأصوات في مجلسه المبارك، وتجاوز الاختلاف حدّ الاعتدال.
فقال النبيّ الأقدس صلى الله عليه وآله: قوموا، لا ينبغي عند نبيّ نزاع! ومع ذلك قال: اوصيكم بثلاث: أخرِجوا المشركين من جزيرة العرب! وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت اجيزهم.
روى سليمان هذا عن سعيد بن جبير وقال: لا أعلم، لَمْ يَرَ سعيد بن جبير مصلحة في ذكر الثالثة، أو أنّه ذكرها لكنّ عناكب النسيان نسجت خيوطها في خاطري؟
قال ابن عبّاس: الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم.[1]
إلى أن قال: قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: أوصى النبيّ في مرضه الذي مات فيه. ولمّا فرغ، نزلت سورة النصر. قلتُ: يا رسول الله! هذه وصيّة المودّعين؟
قال: نعم يا عليّ! ضاق صدري من هذه الدنيا. ثمّ اتّكأ، وأغمض عينه لحظة. ولمّا أفاق قال: يا جبرئيل! خذني وفِ بما وعدتني! ثمّ دعاني إليه ووضع رأسه المبارك على منكبي، وشحب لون وجهه الميمون، وتصبّب جبينه عرقاً.
[1] هذه المطالب كلّها التي ذكرها مير خواند في «روضة الصفا» أوردها خواند مير في «حبيب السير»، ج 1، ص 419. وقال أيضاً: يرى علماء الشيعة أنّ سبب رفض الصحابة كتابة الكتاب هو أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أراد أن يكتب وصيّة في ولاية أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه. والبيتان الآتيان الواردان في كتاب «كشف الغمّة» يُشعران بهذا المعنى:أوْصَى النَّبِيّ فَقَالَ قَائِلُهُمْ***قَدْ ضَلَّ يَهْجُرُ سَيِّدُ البَشَر
وَأرَى أبَا بَكْرٍ أصَابَ ولَمْ***يَهْجُرُ وقَدْ أوْصَى إلى عُمَر