عقد النبيّ صلى الله عليه وآله -وهو على فراش الاحتضار- لواء الحرب لشابٍّ يدعى اسامة، وأمره بالخروج من المدينة فوراً. وأصدر أمراً جازماً جادّاً يقتضي خروج جميع الوجوه المعروفة -الذين ذكر أسماءهم واحداً بعد آخر- تحت لواء اسامة. وكان هدف رسول الله -و هو يرى دنوّ أجله- من ذلك التأكيد والإبرام والإصرار بعد الإصرار، ولعن المتخلّفين عن جيش اسامة بذلك التعجيل والتشديد، إخلاء المدينة من شرّ وجود اولئك المدّعين الأظآر،[1] وتمهيد الأرضيّة لاستقرار حكومة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ليتحقّق أمر الخلافة بلا منازع ينازعه، ولا تكن هناك عقبة في طريقة.
وهل يُرتجى هدف غير هذا من وراء تعبئة ذلك الجيش العظيم بقيادة شابّ كاسامة، وأمر المشيخَة أن ينضووا تحت لوائه ويعملوا بأوامره والتعجيل في تحرّكه وخروجه؟![2]
قال ابن سعد في «الطبقات الكبرى»: لمّا كان يوم الأربعاء في أواخر صفر من السنة العاشرة من الهجرة بُدئ برسول الله صلى الله عليه وآله فحُمّ وصُدّع: فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لُاسامة لواءً بيده ثمّ قال: اغز باسم الله في سبيل الله فقاتِل من كفر بالله!
فخرج بلوائه معقوداً وعسكر بالجُرْف. فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلّا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر، وعمر بن الخطّاب، وأبو عبيدة الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد، وقُتادة بن النعمان، وسَلمة بن أسلم بن حريش. فتكلّم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين. فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله غضباً شديداً فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد؛ أيّها الناس! فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة. ولئن طعنتم في إمارتي اسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه! زيد بن حارثة من قبله! وأيم الله إن كان للإمارة لخَليقاً وإنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ. وأنّهما لمُخيلان لكلّ خير. واستوصوا به خيراً فإنّه من خياركم.[3]
قال هذا ثمّ نزل من المنبر، وذلك يوم السبت... وثقل رسول الله فجعل يقول: أنْفِذُوا بَعْثَ اسَامَة.[4]
ذكر ابن هشام في سيرته أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله استبطأ الناس في بعث اسامة بن زيد وهو في وجعه. فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر. وقد كان الناس قالوا في إمرة اسامة: أمّر غلاماً حَدَثاً على جِلّة المهاجرين والأنصار. فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثمّ قال: أيّها الناس! انفذوا بعث اسامة! فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله. وإنّه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقاً لها.[5]
ثمّ نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وانكمش (أسرع) الناس في جهازهم.[6]
[1] جمع ظئر، وهي العاطفة على ولد غيرها، وقيل: أ ظئر أعطف من امّ؟
[2] ذكر السيّد هاشم البحرانيّ في ص 602 إلى 606، البابان 75 و76 من كتابه «غاية المرام» اثني عشر حديثاً عن طريق العامّة، وحديثاً عن طريق الخاصّة حول جيش اسامة. وفيها أنّ رسول الله جعل فيه أبا بكر، وعمر، وعثمان، وأبا عبيدة الجرّاح، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وغيرهم. ولعن من تخلّف عنه. وروى قول رسول الله: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأخير منهما، في أبي بكر.
[3] روى ابن سعد في الجزء الثاني من طبقاته، ص 248 إلى 250، تحت عنوان: ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه لُاسامة بن زيد رحمه الله خمسة أحاديث في تأكيد الرسول الأكرم وإصراره على تجهيز جيش اسامة ومنها هذا الحديث. وذكر حديثاً آخر بسنده عن عروة بن الزبير أنّه قال: قد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله اسامة وأمره أن يوطئ الخيل نحو البلقاء حيث قُتل أبوه وجعفر. فجعل اسامة وأصحابه يتجهّزون وقد عسكر بالجرف. فاشتكى رسول الله وهو على ذلك. ثمّ وجد في نفسه راحة فخرج عاصباً رأسه فقال: أيُّهَا النَّاسُ! أنْفِذُوا بَعْثَ اسَامَةَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ فَاسْتُعِزَّ بِهِ فَتُوُفِّي رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
[4] «الطبقات الكبرى» ج 2، ص 190، طبعة بيروت 1376 هـ. ق.
[5] «السيرة النبويّة» ج 4، ص 299 و300، طبعة بيروت، دار إحياء التراث العربيّ؛ و«تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 431، طبعة دار الاستقامة.
[6] «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 2، ص 194، طبعة بيروت.