من الأحاديث المختلقة التي وضعت بدهاءٍ تامّ، وتبدو عليها آثار الكذب بقرائن وشواهد عديدة، حديث أورده البخاريّ في صحيحه، ونحن نذكره فيما يأتي بسنده ثمّ نناقشه:
حدّثني إسحاق عن بِشر بن شُعَيْب بن أبي حمزة قال: حدّثني أبي عن الزُّهريّ، قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاريّ -و كعب ابن مالك أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم- أنّ عبد الله بن عبّاس أخبره: إنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ في وَجَعِهِ الذي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أبَا حَسَنٍ! كَيْفَ أصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ؟! فَقَالَ: أصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئاً! فَأخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ: أنْتَ واللهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ العَصَا![1] وإنِّي واللهِ لأرَى رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا. إنِّي لأعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عِنْدَ المَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ فَلْنَسْألْهُ فِيمَنْ هَذَا الأمْرُ؟ إنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَأ ذلِكَ، وإنْ كَانَ في غَيْرِنَا، عَلِمْنَاهُ فَأوْصَى بِنَا!
فقال عليّ: إنّا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وآله فمنعناها لا يُعطيناها الناس بعده، وإنّي والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وآله.[2]
تفرّد البخاريّ وحده في نقل هذا الحديث، إذ لم يُلْحَظْ في أيّ كتاب من كتب أهل السنّة وصحاحهم، وكلّ مَن جاء بعده من مصنّفي كتب السيرة والتأريخ أخذه منه. والله أعلم هل وضعه البخاريّ نفسه أو أخذه من وضّاع آخر؟ ولا ريب أنّ البخاريّ كان ضاغناً على أمير المؤمنين عليه السلام، إذ ذكر الأحاديث المرويّة في مناقبه وفضائله مبتورةً، وقد وجدنا عنده حالات كثيرة من هذا القبيل.
وقال ابن كثير الذي نقل هذا الحديث في تأريخه: انْفَرَد بِهِ البُخَارِيّ.[3]
وذكره مير خواند في «روضة الصفا» بنحو يقبله العقل تقريباً. ولعلّ أصل الحديث هو المذكور عنده، ثمّ حُرِّف عند البخاريّ واتّخذ ذلك الطابع الذي لا يُعقل.
يقول مير خواند: ينقل أنّ عليّاً عليه السلام خرج يوماً من عند رسول الله في مرضه الذي مات منه، فقال له الصحابة: كيف حال رسول الله هذا اليوم يا أبا الحسن؟! فقال: أصبح بحمد الله على أحسن وجه. فأخذ العبّاس يد عليّ وقال له بصوت خفيض: سينتقل النبيّ إلى جوار رحمة ربّ العالمين بعد ثلاثة أيّام، لأنّي أرى أمارات الموت على وجهه المبارك. والآن تقتضي المصلحة أن نذهب عنده ونسأله لمن تكون الخلافة بعده؟ فإذا كانت لنا، فيها، وإذا كانت لغيرنا، سألناه أن يوصيه بنا. فامتنع عليّ عليه السلام وقال: والله لا أسأله ولا أطلب الدنيا.[4]
نلاحظ في نحل هذا الحديث أنّ عدداً من النقاط المهمّة قد زُوِّرت ودُسّت في جواب عليّ عليه السلام لابن عبّاس.
الاولى: يُشعرنا الحديث أنّ الإمام عليه السلام لم يعلم بخلافته. وبعامّة لم يُنْصَبْ أحدٌ خليفةً لرسول الله، وكانت هناك حاجة إلى سؤال النبيّ صلى الله عليه وآله. وهذه أهمّ نقطةً دقيقة يتوكّأ عليها الحزب المناوئ، ويريد أن يُثبت أحقّيّته على هذا الأساس.
الثانية: يُحتمل أن يمنع رسول الله صلى الله عليه وآله عليّاً عليه السلام من الخلافة بعد سؤاله رسولَ الله، وحينئذٍ لن تكون الخلافة من نصيبه. وهذه من أبدع مكائد التزوير، إذ تُتيح للحزب المناوئ فرصة أكبر لأن يجول ويصول أنّي شاء، كما تمنحه مجالًا أوسع لتوطيد دعائمه.
الثالثة: يبيّن لنا الحديث أنّ عليّاً عليه السلام رجل محبّ للدنيا والرئاسة والإمارة، فإذا ما منعه رسول الله، فإنّ الناس لن ينصبوه خليفة. فلندع السؤال إذن، إذ يزول عندئذٍ احتمال الرئاسة والإمارة وإن كان في أعصار بعيدة.
هذه هي الاحتمالات الواردة في الحديث المذكور، ومواطن الدسّ والتزوير واضحة فيه إلى درجة أنّ كلّ من له اطّلاع مجمل على سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وسيرة أمير المؤمنين عليه السلام، وتأريخ ذينك العظيمين، يعلم أنّه كذب وافتراء. فإنّ خلافته قد عُيِّنَتْ من قبل، وأنّ رسول الله يراه خليفته الوحيد الفريد، وكان هو نفسه مطّلعاً على هذا الموضوع، وأنّ أمر سقيفة بني ساعدة وترشيح أبي بكر للخلافة كان غامضاً لديه ولا يمكن قبوله كما يبدو. وتدلّ على ذلك خطب «نهج البلاغة» وسائر الخطب والأحاديث المأثورة عن الشيعة والعامّة، والعالم كلّه يعلم بما فيه مؤرّخو اليهود والنصارى، والمستشرقون أنّ عليّاً عليه السلام لم يكن طالب حكم ورئاسة. لقد كان رجلًا إلهيّاً بما لهذه الكلمة من معنى، ولم تزنه الخلافة، بل هو زانها. ونجد أنّ بعض العامّة يقرّون أنّه لم يكن من أهل السياسة، بل كان هو وخاصّة أصحابه كالمسيح وحواريّيه شغلهم الشاغل هو الشؤون المعنويّة والروحانيّة والإلهيّة. لقد كان عليه السلام ملاكاً سماويّاً، فما شأنه والانهماك في الشؤون الدنيويّة واللعب السياسيّة ومزاولتها؟
إنّ الحديث المذكور وأمثاله على درجة واضحة من النحل والافتراء بحيث إنّ كلّ من كان له أدنى اطّلاع على الأخبار والتأريخ يحكم بتزويره فور رؤيته. ونحن عند ما امرنا من قِبل رسول الله صلى الله عليه وآله أن نعرض الأخبار على كتاب الله فنقبل منها ما وافقه ونرفض ما خالفه، فإنّنا نرى أنّ معظم الآيات القرآنيّة قد نزلت في شأنه وفضائله. حتى نقل أثباتُ العامّة ومشاهيرهم مصدِّقين أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مَا أنْزَلَ اللهُ آيَةً فِيهَا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلَّا وعَلِيّ رَأسُهَا وأمِيرُهَا.[5]
وعند ما نجد أنّ أعيان العامّة رووا فيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال للأنصار: يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ! ألَا أدُلُّكُمْ عَلَى مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً؟! قَالُوا: بلى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: هَذَا عَلِيّ فَأحِبُّوهُ بِحُبِّي وأكْرِمُوهُ بِكَرَامَتِي، فَإنَّ جِبْرِيلَ أمَرَني بِالَّذِي قُلْتُ لَكُمْ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.[6]
وعند ما نقرأ أنّهم رووا فيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: يَا عَلِيّ! أخْصِمُكَ بِالنُّبُوَّةِ ولَا نُبُوَّةَ بَعْدِي.[7] وأنت فُقتَ الناس جميعهم بسبع خصال.
وعند ما نجد أنّ الآيات القرآنيّة نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام كما في التفاسير الموثوقة لأهل السنّة كتفسير الثَّعْلَبي، والقُرطبيّ، و«الدرّ المنثور»، علمنا أنّ الحديث المذكور منحول وموضوع.
ويمكننا من خلال الموازنة بين الأحاديث أن نقف على صدقها وكذبها، فنرفضها أو نقبلها.
وكذلك عند ما نجد أنّ القرآن الكريم أحبط عمل الذين يرفعون أصواتهم فوق صوت النبيّ صلى الله عليه وآله، أي: أنّ جميع حسناتهم وأعمالهم الصالحة التي قاموا بها من قبل تُحبَط وتزول فور القيام بالعمل المذكور (وهذا هو معنى حبط الأعمال)، عند ما نجد ذلك، ونلاحظ من جهة اخرى أنّ عمر رفع صوته فوق صوت رسول الله ونسب إليه الهجر، وأعدّ هو وأصحابه مجلس الانتهاك والتعدّي حقّاً، فحينئذٍ نفهم أنّ الأحاديث التي نقرأها في كتب العامّة حول فضائله ومناقبه كلّها منحولة موضوعة. لأنّ رسول الله قال: قيسوا صحّة الحديث بكتاب الله! فإذا جعل كتابُ الله جزاءَ رفع الصوت عند رسول الله حبطاً للأعمال، فكيف يتسنّى لنا إذن أن نسلّم بهذه المناقب المنحولة؟!
[1] أي: أنّك ستتعرّض إلى الأذي وسيخيفونك بعد ثلاثة أيّام. وجاء في «أقرب الموارد»: الناس عبيد العصا: يهابون مَن آذاهم.
[2] «صحيح البخاريّ» ج 6، ص 12، كتاب النبيّ، باب مرضه، طبعة بولاق؛ وذكره ابن أبي الحديد في شرحه علي النهج، ج 2، ص 51؛ وكذلك نقله المقريزيّ في كتاب «النزاع والتخاصم فيما بين بني اميّة وبني هاشم» طبعة النجف، سنة 1386، ص 32، عن البخاريّ، عن حديث الزهريّ.
[3] «البداية والنهاية» لأبي الفداء ابن كثير الدمشقيّ، ج 5، ص 227؛ وابن سعد في طبقاته، ج 2، ص 245، طبعة بيروت؛ و«السيرة النبويّة» لابن هشام، ج 4، ص 304، الطبعة الرابعة، بيروت.
[4] «روضة الصفا» الطبعة الحجريّة، الجزء الثاني، تاريخ رسول الله، ذِكر مرض موت رسول الله صلى الله عليه وآله.
[5] الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الإصفهانيّ المتوفّى سنة 430 في كتاب «حلية الأولياء» ج 1، ص 64؛ و«مناقب الخوارزميّ» ص 179، الطبعة الحجريّة، بسنده المتّصل عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله.
[6] «حلية الأولياء» ج 1، ص 63 بسنده المتّصل عن رسول الله أنّه قال: ادعوا لي سيّد العرب! يعني عليّ بن أبي طالب، قالت عائشة: أ لستَ سيّد العرب؟! فقال: أنا سيّد ولد آدم وعليّ سيّد العرب. ولمّا قَدِم عليّ، قال للأنصار: يا معشر الأنصار ...
[7] «حلية الأولياء» ج 1، ص 65 و66، بسنده المتّصل عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عَلِيّ! أخصمك بالنبوّة ولا نبوّة بعدي، وتخصم الناس بسبع ولا يحاجّك فيها أحد من قريش: أنت أوّلهم إيماناً بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسويّة، وأعدلهم في الرعيّة، وأبصرهم بالقضيّة، وأعلمهم عند الله مزيّة.