قال أبو الفداء ابن كثير الدمشقيّ في تاريخه بعد إيراد الحديث الأوّل الذي نقلناه عن البخاريّ، ثمّ ذكرناه عن مسلم، وهو أيضاً رواه عنهما، وجاء فيه: مَا شَأنُهُ؟ أ هَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ! وهَذَا الحَدِيثُ مِمَّا قَدْ تَوَهَّمَ بِهِ بَعْضُ الأغْبِيَاء مِنْ أهْلِ البِدَعِ مِنَ الشِّيعَةِ وغَيْرِهِمْ؛ كُلٌّ مُدَّعٍ أنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أنْ يَكْتُبَ في ذَلِكَ الكِتَابِ مَا يَرْمُونَ إلَيْهِ مِنْ مَقَالاتِهِمْ. ثمّ قال: هذا توهّم باطل. وهذا هو التمسّك بالمتشابه وترك المحكم، وأهل السنّة يأخذون بالمحكَم ويردّون ما تشابه إليه. وهذه هي طريقة الراسخين في العلم كما وصفهم الله عزّ وجلّ في كتابه.
ثمّ قال: وهذا الموضع ممّا زلّ فيه أقدام كثير من أهل الضلالات. وأمّا أهل السنّة فليس لهم مذهب إلّا اتّباع الحقّ يدورون معه كيفما دار. وهذا الذي كان يريد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكتبه قد جاء في الأحاديث الصحيحة التصريح بكشف المراد منه. فإنّه قد قال الإمام أحمد ابن حنبل عن مؤمّل، عن نافع، عن ابن عمر، وابن أبي مليكة، عن عائشة أنّها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه واله في مرض موته: ادْعُوا لي أبَا بَكْرٍ وابْنَهُ لِكَي لَا يَطْمَعَ في أمْرِ أبِي بَكْرٍ طَامِعٌ ولَا يَتَمَنَّاهُ مُتَمَنٍّ. ثمّ قال: يَأبَى اللهُ ذَلِكَ والمُؤْمِنُونَ مَرَّتَيْنِ. انفرد به أحمد من هذا الوجه.
وروى أحمد بن حنبل أيضاً عن أبي معاوية، عن عبد الرحمن بن أبي بكر القرشيّ، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: لمّا ثقل رسول الله، قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائْتِنِي بِكَتِفٍ أوْ لَوْحٍ حتى أكْتُبَ لأبِي بَكْرٍ كِتَاباً لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ أحَدٌ. فلمّأ ذهب عبد الرحمن ليقوم، قال: أبى اللهُ والمُؤْمِنُونَ أنْ يَخْتَلِفَ عَلَيْكَ يَا أبَا بَكْرٍ! انفرد به أحمد من هذا الوجه أيضاً.
وروى أيضاً عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن يحيى ابن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة أنّها قالت: قال رسول الله: لَقَدْ هَمَمْتُ أن ارْسِلَ إلَى أبِي بَكْرٍ وابْنِهِ فَأعْهَدَ أنْ يَقُولَ القَائِلُونَ أوْ يَتَمَنَّى مُتَمَّنُونَ، فَقَالَ: يَأبَى اللهُ - أوْ يَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، أوْ يَدْفَعُ اللهُ ويَأبَى المُؤْمِنُونَ.[1]
لا يداخلنا الريب أنّ هذه الأحاديث من صنع عائشة، إذ وضعتها لتعزيز موقع أبيها وأخيها عبد الرحمن الذي ارصد له العذاب الأبديّ حسب الآيتين الكريمتين: والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ والْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ،[2] وعائشة هي التي أو قدت نار الجَمَل، وسبّبت في قتل اثني عشر ألفاً من المسلمين، بعد أن ركبت جملها وتولّت قيادة الجيش من أجل إطفاء نور أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الإمام بالحقّ والحجّة على الخلق ومركز الولاية ومصدر الصدق والحقيقة.
وهي التي كانت تقول في عثمان: اقْتُلُوا نَعْثَلًا فَقَدْ كَفَرَ. ولكن لمّا بايع الناس أمير المؤمنين عليه السلام، قالت: عليّ قاتل عثمان، وكتبت إلى الأمصار تدعو الناس إلى حرب أمير المؤمنين متذرِّعة بأنّ عثمان قُتل مظلوماً وأنّ عليّاً هو الذي قتله.
ولكن ما عسانا أن نقول لإخواننا السنّة الذين يرون أنّ عائشة هي الصدِّيقة الوحيدة، وقد أضفوا عليها لقب حبيبة رسول الله، وعدّوها طاهرة مطهّرة أمينة صادقة، وصحّحوا الأحاديث المنقولة عنها.
ونحن ندعو القرّاء الكرام إلى مطالعة كتاب «أحاديث امّ المؤمنين عائشة» للعلّامة الجليل المجاهد ابن خالنا المكرّم سماحة آية الله السيّد مرتضى العسكريّ[3] أطال الله بقاءه، وأمدّ في عمره الشريف ونفع المسلمين بدوام حياته ومؤلّفاته، وذلك من أجل أن تستبين لهم سيرة عائشة وأحاديثها.
ولا نروم التحدّث عن عائشة وأحاديثها المنحولة الموضوعة هنا أو في مواطن اخرى. وإنّما يحوم حديثنا حول أبي الفداء الدمشقيّ مؤلّف كتاب «البداية والنهاية» الذي عدّ الأحاديث المنقولة عن ابن عبّاس في رزيّة يوم الخميس التي طلب فيها رسول الله الكتف والدواة متشابهة، والأحاديث الموضوعة على لسان عائشة محكمة، وأرجع تلك الأحاديث إلى هذه الأحاديث، وتقوّل على الشيعة وقذفهم بالغباء والحمق، إذ استهدوا بها دليلًا على ولاية أمير المؤمنين وخلافته.
ونكتفي في شرح وتوضيح بطلان كلام هذا الرجل المتعصّب بالقول: حسناً، نحن لا نقول شيئاً إذ حسبتَ تلك الأحاديث (الأحاديث المنقولة عن ابن عبّاس) متشابهة، وهذه الأحاديث (المنقولة عن عائشة) محكمة، لكن كيف تنكر الحقيقة والمعالم واضحة دالّة عليها؟ إذا كان مراد رسول الله من كتابته الوصيّة لأبي بكر، فلما ذا زعق عمر وأعوانه؟ ولما ذا نسب الهجر إلى رسول الله؟ ولما ذا أخلّوا بنظم المجلس وكثر اللَّغط وعلت الجَلَبة؟ ولما ذا قال رسول الله: هذه النساء خير منكم؟ وقال: قوموا، اذهبوا؟ ولما ذا عدّ ابن عبّاس تلك القضيّة رزيّة؟ ولما ذا ذكر شدّة تلك المصيبة وصعوبتها بقوله: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ولما ذا بكى حتّى ابتلّ الحصى بدموع عينيه، وكانت دموعه تسيل كحبّات اللؤلؤ؟
كان عمر النصير الوحيد لأبي بكر، وكان معينه وأخاه وأداته التنفيذيّة! فلا بدّ أن يبتهج إذا ما أراد النبيّ أن يوصي له، ولا بدّ أن يؤيّده، ويرى كلامه وحياً منزلًا! فلما ذا أثار تلك الضجّة مشاقّة لرسول الله، فيقول بعض الحاضرين: ائتوا بالكتف والدواة كما قال رسول الله، وبعض آخر يرى ما رآه عمر فلا حاجة إلى ذلك؟
هذه كلّها قرائن وأدلّة ساطعة كالشمس، وهي تكشف لنا أنّ المراد من كتابة رسول الله كتابة خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وتفصيل حديث الثَّقَلَين المتكرّر.
ولو كانت الأحاديث المأثورة عن عائشة صحيحة أيضاً، فعليك أن تعدّها محكمة بهذه القرائن الكثيرة، في الأحاديث العديدة التي ذكرها البخاريّ، ومسلم، وأحمد، وغيرهم، وسندها صحيح أيضاً، وتعدّ أحاديث أحمد متشابهة، وتُرجع تلك إلى هذه، فتكون قد قمت بعمل عقلائيّ، وأرحتَ نفسك والمسلمين وأتباع مذهبك، ونفضتَ عنك غبار الجهل والإصرار على العناد بشهادة أنَّ عَلِيَّاً أمِيرُ المُؤْمِنِينَ وسَيِّدُ الوَصِيِّينَ وخَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ! وهذا هو الصراط المستقيم.
بَيْدَ أنّك لم تفعل ذلك! وحسبتَ الشيعة ضالّين إذ وصفتهم بالغباء والحمق، وظننتَ أنّ الموضوع قد انتهى عند هذا الحدّ! هَيهاتَ! هَيهاتَ! فإنّ الآيات الظاهرة مَعْلَم على إخفاء الحقيقة. ونحن الشيعة نحمّلكم أنتم العلماء والمصنّفون والمؤلّفون وِزر الامّة المسكينة وإصرها، فإنّكم زوّرتم الحقائق مع علمكم وتدبيركم! إنّكم عجزتم عن أن تفعلوا شيئاً لهذه الأحاديث الصحيحة المرويّة في صحاحكم عن ابن عبّاس وهي أظهر من الشمس في دلالتها! وعجزتم عن أن تقدحوا في صحّتها! وعجزتم عن أن تتغاضوا عنها فتريحوا أنفسكم من شرّها! عجزتم عن ذلك كلّه وجئتم فحسبتموها متشابهة بهذا التزوير والدسّ، وخلتم أنفسكم من الراسخين في العلم وجلستم مجلسهم والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[4] وا حسرتاه، إذ لم تعلموا أنّهم يريدون أن يضلّوكم وينزلوكم من مجلسكم.
[1] «البداية والنهاية» ج 5، ص 227 و228.
[2] الآيتان 17 و18، من السورة 46: الأحقاف. نقل العلّامة الطباطبائيّ في تفسير «الميزان» ج 18، ص 225 رواية عن تفسير «الدر المنثور» في أنّ هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر. وقال: قصّة خطبة مروان في مسجد المدينة ودعوته الناس إلى قبول استخلاف معاوية يزيد، وإنكار عبد الرحمن ذلك عليه، وجواب مروان له بقوله: أ لستَ الذي قال لوالديه: افٍّ لكما؟ وجواب عبد الرحمن بقوله: أ لست ابن اللعين الذي لعن أباك رسولُ الله؟ كلّ ذلك معروف. يريد العلّامة أن يستفيد من هذه الآية شيئاً، إذ لمّا جاء فيها. حقّ عليهم القول، فيمكن أن يفهم منها أنّ إسلام عبد الرحمن كان صوريّاً لا أثر له فهو من المخلّدين في النار ومن الخاسرين إلّا أن ننكر هذه الروايات فيه كما أنكرتها اخته عائشة.
[3] العلّامة الحاج السيّد مرتضى العسكريّ سبط المرحوم المحدّث العظيم آية الله ميرزا محمّد الطهرانيّ الشريف العسكريّ، وهذا المرحوم قدّس الله نفسه خال والدي المرحوم السيّد محمّد صادق.
[4] الآية 7، من السورة 3: آل عمران.