قال الله الحكيم في كتابه الكريم: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ، بِالْبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.[1]
شاهِدُنا هنا هو ذيل الآية الثانية (وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) أي: أنّنا أرسلنا القرآن إلى الناس تدريجيّاً، ونزوله الدفعيّ إليك من أجل أن تبيّنه للناس وتشرحه وتفسّره، فأنت نافذة وآية لعبور الوحي إلى الناس؛ ونزل القرآن في الحقيقة إليهم وعليهم عبر مرآة نفسك وآيتها ونافذتها الوحيدة! وهكذا فبيانه وتوضيحه وشرحه وتفسيره عليك أنت لا على غيرك!
قال سماحة استاذنا الأكرم آية الله العلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه في تفسير هذه الفقرة: لا شكّ أنّ تنزيل الكتاب على الناس، وإنزال الذكر على النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله واحد، بمعنى أنّ تنزيله على الناس هو إنزاله إليه ليأخذوا به ويوردوه مورد العمل كما قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً.[2] وقال: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ.[3]
فيكون محصّل المعنى أنّ القصد بنزول هذا الذكر إلى عامّة البشر وأنّك والناس في ذلك سواء. وإنّما اخترناك لتوجيه الخطاب وإلقاء القول لا لنحمّلك قدرة غيبيّة وإرادة تكوينيّة إلهيّة فنجعلك مسيطراً عليهم وعلى كلّ شيء! بل لأمرين:
أحدهما: أن تبيّن للناس ما نُزِّل إليهم، لأنّ المعارف الإلهيّة لا ينالها الناس بلا واسطة! فلا بدّ من بعث واحدٍ منهم للتبيين والتعليم. وهذا هو غرض الرسالة ينزل إليه الوحي فيحمله ثمّ يؤمر بتبليغه وتعليمه وتبيينه.
والثاني: رجاءَ أن يتفكّروا فيك فيتبصّروا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله. فإنّ الأوضاع المحيطة بك والحوادث والأحوال الواردة عليك في مدى حياتك من اليُتم، وخمود الذكر، والحرمان من التعلّم والكتابة، وفقدان مُرَبّ صالح، والفقر والاحتباس بين قوم جهلة أخسّاء صفر الأيدي من مزايا المدنيّة وفضائل الإنسانيّة، كانت جميعاً أسباباً قاطعة أن لا تذوق من عين الكمال قطرة، ولا تقبض من عُرى السعادة على مسكة، لكنّ الله سبحانه وتعالى أنزل إليك ذكراً تتحدّى به الجنّ والإنس مهيمناً على سائر الكتب السماويّة تبياناً لكلّ شيء وهدى ورحمة وبرهاناً ونوراً مبيناً.
(إلى أن قال): ومن لطيف التعبير في الآية قوله: وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ (و) ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، بتفريق الفعلين بالإفعال الدالّ على اعتبار الجملة والدفعة، والتفعيل الدالّ على اعتبار التدريج.
ولعلّ الوجه في ذلك أنّ العناية في قوله: وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ بتعلّق الإنزال بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله فقط من غير نظر إلى خصوصيّة نفس الإنزال، ولذلك أخذ الذكر جملة واحدة، فعبّر عن نزوله من عنده تعالى بالإنزال.
وأمّا الناس، فإنّ الذي لهم من ذلك هو الأخذ والتعلّم والعمل، وقد كان تدريجيّاً، ولذلك عُني به، وعبّر عن نزوله إليهم بالتنزيل.
وفي الآية دلالة على حُجّيّة قول النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله في بيان الآيات القرآنيّة.
وأمّا ما ذكره بعضهم أنّ ذلك في غير النصّ والظاهر من المتشابهات، أو فيما يرجع إلى أسرار كلام الله وما فيه من التأويل فممّا لا ينبغي أن يُصغى إليه.
هذا في نفس بيانه صلى الله عليه وآله، ويلحق به بيان أهل بيته لحديث الثقلين المتواتر وغيره. وأمّا سائر الامّة من الصحابة أو التابعين أو العلماء، فلا حجّيّة لبيانهم، لعدم شمول الآية وعدم وجود نصّ معتمد عليه يعطي حجّيّة بيانهم على الإطلاق.
وأمّا قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، فقد تقدّم أنّه إرشاد إلى حكم العقلاء بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم من غير اختصاص الحكم بطائفة دون طائفة.
هذا كلّه في نفس بيانهم المتلقّي بالمشافهة. وأمّا الخبر الحاكي له، فما كان منه بياناً متواتراً أو محفوفاً بقرينة قطعيّة، وما يلحق به فهو حجّة لكونه بيانهم. وأمّا ما كان مخالفاً للكتاب أو غير مخالف لكنّه ليس بمتواتر ولا محفوفاً بالقرينة، فلا حجّيّة فيه لعدم كونه بياناً في الأوّل، وعدم إحراز البيانيّة في الثاني. وللتفصيل محلّ آخر.[4]
القرآن كلام الله وتجلّيه في هذا اللباس للخلائق قاطبة من جنّ وإنس، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ في كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أنْ يَكُونُوا رَأوْهُ.[5]
وقال الإمام الصادق عليه السلام أيضاً: لَقَدْ تَجَلَّى اللهُ لِخَلْقِهِ في كَلَامِهِ ولَكِنَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَ.[6]
ومن الواضح أنّ معنى التجلّي هو الظهور، والظهور غير البينونة كما أنّ التجلّي غير التجافي. ويُلحَظُ في التجلّي أنّ المتجلِّي، والمتجلَّى فيه، وحقيقة التجلّي شيء واحد. وكذلك يُلْمَسُ في الظهور أنّ الظاهر، والمَظهَر، وحقيقة الظهور شيء واحد.
إن عالم الوجود بما فيه القرآن الكريم تجلّى الله حسب المنظور القرآنيّ. وهذا الموضوع من الثوابت في مدرسة أهل البيت، ويُعَدُّ من أبجديّتها وألفبائها. ولا تعني الخلقة بينونة المخلوق عن الخالق وتولّده منه، فللّه سبحانه وتعالى معيّة وجوديّة وذاتيّة ترافق الموجودات والمخلوقات بأسرها، وحينئذٍ لا يُتَصَوَّرُ الانفصال والبينونة. أمّا الجاهلون بمعارف القرآن وأهل البيت، فإنّهم لم يدركوا هذا المعنى، وكفّروا القائلين بوحدة الوجود، بينما هم منغمسون في الشرك من رأسهم حتى أخمصهم.
إنّهم ظنّوا أنّ معنى وحدة الوجود يتمثّل في لباس الاتّحاد أو الحلول وأمثال ذلك ممّا يستلزم تكثّر ذات الحقّ المقدّسة. وهذا ليس معنى الوحدة. بل معناها الوحدة في الذات والاسم والصفة، ومعيّته الحقيقيّة لا الاعتباريّة. وهذه نقطة دقيقة سامية يبتني عليها أصل التوحيد القرآنيّ.
ولمّا كان القرآن تجلّياً للّه، فإنّ الله معه في العوالم الخمسة النازلة المسمّاة الحَضَرات الخَمْس كلّها إلى أن يصل عالم الحسّ والشهادة هذا.
وكذلك معنى القرآن وحقيقته الحافظة له، والمهيمنة عليه، فهي معه اعتباراً من روح القُدُس الذي هو أعظم الملائكة، إلى هذا العالم، عالم المادّة الذي هو أظلم العوالم. طَرَفٌ منه: وإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ،[7] وطرف في هذا العالم المليء بالصخب والضجيج، والناس المبتلين بالآفات والعاهات والغرائز والحواسّ: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدىً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ.[8]
[1] الآيتان 43 و44، من السورة 16: النحل.
[2] الآية 174، من السورة 4: النساء.
[3] الآية 10، من السورة 21: الأنبياء.
[4] «الميزان في تفسير القرآن» ج 12، ص 275 إلى 278.
[5] «نهج البلاغة» ج 1، ص 265، الخطبة 45، تعليق الشيخ محمّد عبده، طبعة مصر.
[6] «بحار الأنوار» ج 92، ص 107، الطبعة الحديثة، طهران.
[7] الآية 6، من السورة 27: النمل.
[8] الآية 102، من السورة 16: النحل.