روى الشيخ الصدوق في كتاب «عيون أخبار الرضا» بثلاثة أسناد عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كَأنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأجَبْتُ، وإنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا![1]
وقال ابن شهرآشوب في مناقبه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لَمْ يَمُتْ نَبِيّ قَطُّ إلَّا خَلَّفَ تَرِكَتَهُ، وقَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي.[2]
وروى العيّاشيّ في تفسيره عن مسعدة بن صدقة أنّه قال: قال الصادق عليه السلام:
إنَّ اللهَ جَعَلَ وَلَايَتَنَا أهْلَ البَيْتِ قُطْبَ القُرآنِ، وقُطْبَ جَمِيعِ الكُتُبِ عَلَيْهَا يَسْتَدِيرُ مُحْكَمُ القُرآنِ، وبِهَا يُوهَبُ الكُتُبُ، ويَسْتَبِينُ الإيمَانُ، وقَدْ أمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ أنْ يُقْتَدَى بِالقُرآنِ وآلِ مُحَمَّدٍ وذَلِكَ حَيْثُ قَالَ في آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: الثَّقَلَ الأكْبَرَ والثَّقَلَ الأصْغَرَ، فَأمَّا الأكْبَرُ فَكِتَابُ رَبِّي، وأمَّا الأصْغَرُ فَعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فَاحْفَظُونِي فِيهِمَا فَلَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا.[3]
وقال المجلسيّ في موضع آخر، قد مضى في احتجاج الحسن بن عليّ عليهما السلام وأصحابه على معاوية أنّه عليه السلام قال: نَحْنُ نَقُولُ أهْلَ البَيْتِ: إنَّ الأئِمَّةَ مِنَّا، وإنَّ الخِلافَةَ لَا تَصْلَحُ إلَّا فِينَا، وإنَّ اللهَ جَعَلَنَا أهْلَهَا في كِتَابِهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، وإنَّ العِلْمَ فِينَا ونَحْنُ أهْلُهُ، وهُوَ عِنْدَنَا مَجْمُوعٌ كُلُّهُ بِحَذَافِيرِهِ، وإنَّهُ لَا يَحْدُثُ شىْءٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ حتى أرْشُ الخَدْشِ إلَّا وهُوَ عِنْدَنَا مَكْتُوبٌ بِإمْلَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وخَطِّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِهِ.[4]
[1] «بحار الأنوار» ج 92، ص 13، الطبعة الحديثة، طهران؛ «عيون الأخبار» ج 2، ص 31. ومن الجدير ذكره أنّ خَلَفَ يَخْلُفُ خِلَافةً من باب (نصر ينصر) بمعنى: صار خليفة. أي: كان خليفتهـ صار خليفته في أهله. وخَلَّفَ تَخْلِيفاً من باب التفعيل بمعنى جعل أحداً خليفة. وأمّا صيغة تَخْلُفُونِّي فقد كانت في الأصل تَخْلُفُونَنِي ثمّ ادغمت نون الإعراب بنون الوقاية فصارت تَخْلُفُونِّي. أي: على أيّ نحو تحفظونني وتحفظون حقيقتي وآثاري -و أخيراً جميع شئوني وخصوصيّاتي- في ذينك الاثنين، وتؤدّون حقّ خلافتي فيهما؟! قال في «صحاح اللغة» جمع الخليفة: الخلائف جاءوا به على الأصل مثل كريمة وكرائم، وقالوا أيضاً: خُلَفاء من أجل أنّه لا يقع إلّا على مذكّر، وفيه الهاء، جمعوه على إسقاط الهاء فصار مثل ظريف وظرفاء، لأنّ فعيلة بالهاء لا تجمع على فعلاء. ويقال: خَلَفَ فلانٌ فلاناً إذا كان خليفته. ويقال: خَلَفَهُ في قومه خلافةً. ومنه قوله تعالى: وقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي. وخَلَفْتُهُ أيضاً إذا جئتُ بعده، وورد في «لسان العرب» (ج 9، ص 83، العمود الأيسر): وخَلَفَ فلانٌ فلاناً إذا كان خليفته. ثمّ ذكر ما أوردناه عن «صحاح اللغة» آنفاً. وقال في ص 82، العمود الأيسر: وخَلَفَهُ يَخْلُفُهُ: صَارَ خَلْفَهُ. واخْتَلَفهُ: أخَذَهُ مِنْ خَلَفِهِ. اخْتَلَفَهُ وخَلَّفَهُ وأخْلَفَهُ: جَعَلَهُ خَلْفَهُ. وقال ابن الأثير في «النهاية» ج 2، ص 69 بعد شرحٍ لمعنى خلف: وفي حديث أبي بكر، جاءه أعرابيّ فقال له: أنتَ خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله؟! قال: لا! قال: فما أنتَ؟! قال: أنَا الخَالِفةُ بَعْدَهُ. ثمّ قال ابن الأثير: الخليفة مَن يقوم مقام الذاهب ويسدّ مسدّه. والهاء فيه للمبالغة. وجمعه الخلفاء على معنى التذكير لا علي اللفظ مثل ظريف وظرفاء. ويجمع اللفظ خلائف كظريفة وظرائف. ثم قال: فأما الخَالِفَةُ فَهُوَ الذي لا غِناء عنده ولا خير فيه؛ وكذلك الخالف. وقيل: هو الكثير الخلاف.
ثمّ قال صاحب «النهاية» هنا: وهو (أبو بكر) بيّن الخلافة بالفتح. وإنّما قال ذلك تواضعاً وهضماً من نفسه حين قال له: أنتَ خليفةُ رسول الله. وذكر صاحب «لسان العرب» هذا الكلام مع ذيله في ج 9، ص 89، العمود الأيمن والأيسر من كتابه نقلًا عن ابن الأثير. وقال مؤلّف «مجمع البحرين» بعد نقل هذه الواقعة عن ابن الأثير: وهو لعمري عذرٌ فاضحٌ غير واضحٌ. وعلى قولنا: عذر أسوأ من ذنب. فأبو بكر نفسه يقرّ بتخلّفه لكنّ المتملّقين أوحوا إلى فكره الفاسد الزورَ والكذب. وقال في «شرح القاموس» -بالفارسيّة- وخَلَف فُلَانٌ خَلَافَةٌ بفتح الأوّل وخُلُوف كسرور، أي: أفِنَ الأحمق؛ فذلك الشخص خالف ككامل، وخالفة ككاملة. قال المترجم: وقد مضى قبل ذلك أيضاً قوله: وبالضمّ العَيْبُ والحُمق كالخِلافة. وقال بعد فاصلة قليلة: والخَالِفَة الأحمقُ كالخالفِ، فهو مكرّر. وخَلَفَ عن خُلق أبيه. وخَلَفَ فلاناً صار خليفتهـ انتهى كلام «شرح القاموس». وقال في «لسان العرب» (ص 91، العمود الأيسر): وفي الحديث أنّ اليهود قالت: لقد علمنا أنّ محمّداً لم يترك أهله خُلوفاً. أي: لم يتركهنّ سُدى لا راعيَ لهنّ ولا حامي.
أجل، أوصى رسول الله الناس بطاعة أهل بيته، وأوصى أهل بيته بالتصدّى لولاية الناس وإمامتهم. وترسيخ القرآن والإسلام الحقيقيّ في أوساطهم. فأهل البيت خلفاء رسول الله في الولاية والإمامة، والناس خلفاؤه في رعاية أهل البيت والمحافظة عليهم كرعاية رسول الله نفسه والمحافظة عليه. وهذا هو المعنى المقصود من قوله: فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا؟! أمّا أهل البيت فقد جدّوا واجتهدوا في رعاية خلافة النبيّ حتى جادوا بأرواحهم وبذلوا مهجهم في هذا السبيل. وأمّا الناس فقد ضيّعوا خلافته حتى قتّلوا أهل بيته. قال في «لسان العرب» (ص 89، العمود الأيمن): يقال في الفعل منه: خَلَفَهُ في قومه وفي أهلِهِ يَخْلُفُهُ خَلَفاً وخِلَافَةً. وخَلَفَنِي فَكَانَ نِعْمَ الخَلَفُ أوْ بِئسَ الخَلَفُ. ومنه خَلَفَ الله عليك بخير خَلَفاً وخِلَافَةً. والفاعل منه خَلِيفٌ وخَلِيفَةٌ والجمع خُلَفَاء وخَلَائِف. فالخَلَفُ في قولهم: نِعْمَ الخَلَف وبِئسَ الخَلَف، وخَلَفُ صِدْقٍ وخَلَفُ سُوءٍ، وخَلَفٌ صالِحٌ وخَلَفٌ طالِحٌ، هو في الأصل مصدر سُمِّي به مَن يكون خليفةً، والجمع أخلاف كما تقول: بَدَلٌ وأبْدَالٌ لأنّه بمعناه. ويتحصّل من هذا أنّ أهل بيت النبوّة كانوا نِعم الخَلَف لرسول الله وأنّ الناس كانوا بئس الخَلَف له في أهل بيته.
[2] «غاية المرام» ص 230، الحديث التاسع والأربعون عن الخاصّة.
[3] «بحار الأنوار» ج 92، ص 27؛ «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 6.
[4] «بحار الأنوار» ج 92، ص 47.