إن الشيعة بدءوا ببيان الحديث وتدوينه على حدّ سواء منذ زمن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله. ومن هنا فإنّهم صنّفوا كتباً في عهد النبيّ نفسه. وقاموا بنشر الحديث وتدوينه بترتيب وتسلسل معيّنين بعد النبيّ صلى الله عليه وآله.
وطبّقوا السنّة النبويّة من منطلق الحديث المتواتر المشهور: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدا عَلَيّ الحَوْضَ.[1] وأخذوا بهذا الحديث الذي هو سنّة. وقاموا ببيان الحديث وتدوينه قبل أهل السنّة بقرن ونصف.
والآن ينبغي أن نعلم أنّه لما ذا فكّر العامّة بجمع السُنّة بعد قرن من الزمان؟ والجواب هو أنّهم رأوا أنّ كتاب الله وحده لا يكفي بغير السُّنّة وأنّ مثلهم في الاقتصار على الكتاب كمثل الطير الذي يريد أن يطير بجناحٍ واحد. ولاحظوا أنّ الأحكام وردت في القرآن بشكل عامّ، أمّا الشؤون اليوميّة للناس في الجزئيّات فإنّها تحتاج إلى بيان؛ ولا بيان لها إلّا السُّنّة. ومن جهة اخرى، فقد نبّههم دخول العلوم والقضايا المستجدّة في العالم الإسلاميّ، وشعروا بالحاجة الماسّة إلى العلم والاطّلاع على السيرة النبويّة ومنهاج الرسول الأعظم وكلامه واسلوبه العمليّ، فرأوا أنّهم متخلّفون جدّاً. إذ إنّ الإسلام الذي يجب أن يُسخّر عالَم العلم والعمل والتقوى لمعناه وحقيقته يسير القهقرى، ولو لم يُجْمَع شيء من بقايا السُّنّة النبويّة التي تناقلتها بعض الصدور شفويّاً لقرأنا عَلَى الإسْلَامِ السَّلَامِ. وعند ذاك أدركوا فكر الشيعة ومنهاجهم، وعرفوا أنّ الطريق المستقيم طريقهم. وأدركوا أنّ عليهم أن يكتبوا الحديث ويبيّنوه. لكن متى؟ وأين؟ وكيف؟
لقد تجاهل علماء العامّة ذلك التوجّه السقيم بكلّ شهامة، وضربوا عن قول القائل: حَسْبُنَا كِتَابَ اللهِ صفحاً، وطفقوا يكتبون الكتب والسنن ناسخين القول المذكور علماً وعملًا. وسخر بعضهم منه، وقالوا: هل يمكن أن يكون الكتاب بلا سُنَّة؟!
وألّف محمّد عجّاج الخطيب كتاباً في عظمة السُّنّة، وحاول جهده أن يُغطّي على جرائم عمر وأعوانه، ويصفهم بالإصلاح والتفكير بالمصلحة، وهو رجل سنّيّ متعصّب فظّ، بَيدَ أنّه لم يستطع أن يجد مَحملًا صحيحاً لذلك القول الذي نطق به عمر، فجدَّ في إثبات السُّنّة وصحّتها، وارتأى ضرورة بيان الحديث قائلًا:... فأخذوا (الصحابة) بسنّته عليه الصلاة والسلام، وتمسّكوا بها، وأبوا أن يكونوا ذلك الرجل الذي ينطبق عليه قوله عليه الصلاة والسلام: يُوشَكُ الرَّجُلُ مُتّكِئاً عَلَى أرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيقُولُ: بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلنَاهُ، ومَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، ألَا وإنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللهُ.[2]
بل وقفوا من السُّنَّة موقفاً عظيماً، وردّوا على كلّ من فَهِمَ ذاكَ الفهم (حسبنا كتاب الله).
روى أبو نَضْرَة عن عمران بن حصين أنّ رجلًا أتاه فسأله عن شيء، فحدّثه، فقال الرجل: حدّثوا عن كتاب الله عزّ وجلّ، ولا تحدّثوا عن غيره! فقال: إنَّكَ امْرُؤٌ أحْمَقُ! أتَجِدُ في كِتَابِ اللهِ صَلَاةَ الظُّهْرِ أرْبَعاً لا يُجْهَرُ فِيهَا؟ وعَدَّ الصَّلَواتِ، وعَدَّ الزَّكَاةَ ونَحْوَهَا، ثُمَّ قَالَ: أتَجِدُ مُفَسَّراً في كِتَابِ اللهِ؟! كِتَابُ قَدْ أحْكَمَ ذَلِكَ، والسُّنَّةُ تُفَسِّرُ ذَلِكَ.[3]
وقال رجل للتابعيّ الجليل مُطَرِّف بن عَبْد الله بن الشِّخير: لَا تُحَدِّثُونَا إلَّا بِالقُرْآنِ. فقال له مطرّف: واللهِ مَا نُرِيدُ بِالقُرْآنِ بَدَلًا، ولَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أعْلَمُ بِالقُرْآنِ مِنَّا.[4]
ويحاول الخطيب في بحث تحت عنوان: «احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث» توجيه كلام من قال: أقِلُّوا الرِّوايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، توجيهاً لا يتنافى مع العقل، ولا يوصد باب نقل الحديث، والحقّ أنّ هذا وأمثاله توجيهات لا يرضى بها صاحبها عمر. وعلى هذا الأساس يمرّون على حديث مشايعة عمر قرظة بن كعب مرّ الكرام، ويمترون في سَجن الصحابة الثلاثة الكبار- الواردة أسماؤهم في رواية الحافظ الذهبيّ: ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي مسعود الأنصاريّ- بالمدينة إلى أن قُتل عمر: كيف نتصوّر أن يصدر مثل هذا العمل المخالف عن خليفة كأمير المؤمنين عمر؟! وكيف يقوم عمر بمثل هذا العمل وهو مَن هو في سوابقه وسيرته في الإسلام؟! كيف يمكن ذلك؟! ويختمون الموضوع بإثارة هذه الأسئلة وأمثالها. وعلى فرض تحقّق هذا الموضوع يقولون: ليس المراد من قولهم: حَبَسَهُمْ في المَدِينَةِ: سَجَنَهم، بل منعهم من الحديث. حَبَسَهُم أي: مَنَعَهُم.[5]
[1] تحدّثنا عن هذا الحديث المبارك وحده في الجزء الثالث عشر من كتابنا هذا: «معرفة الإمام» من سلسلة العلوم والمعارف الإسلاميّة. وقد استغرق حديثنا الكتاب المذكور كلّه.
[2] «سنن ابن ماجة» ج 1، ص 5؛ و«سنن البيهقيّ» ج 1، ص 6، رواه المقدام بن معديكرب.
بالله عليكم انظروا، ألا يبيّن هذا الحديث النابع من نور النبوّة حالة اخرى غير حالة أبي بكر وعمر وعثمان؟
[3] «كتاب العلم» للمقدسيّ، ص 51، مخطوطة المكتبة الظاهريّة بدمشق؛ و«جامع بيان العلم وفضله» ج 2، ص 191.
[4] «جامع بيان العلم وفضله» ج 2، ص 191؛ و«السُّنَّة قبل التدوين» ص 78 و79.
[5] «السُّنَّة قبل التدوين» ص 92 إلى 112.