نرى الخطيب يتغيّظ ويمتعض جدّاً من كلام المستشرق الألمانيّ جولدتسيهر، إذ قال: «و ليس صحيحاً ما يقال من أنّه- أي الحديث- وثيقة للإسلام في عهده الأوّل عهد الطفولة، ولكنّه أثر من آثار جهود الإسلام في عصر النضوج» حتى أنّه يكاد يشقّ أثوابه من الغيظ، في حين أنّه كلام سديد من منظار تأريخ العامّة وحديثهم، لا من منظار تأريخ الشيعة وحديثهم، لأنّ الجميع يعترفون- كما سنرى- أنّ تدريس الحديث وبيانه وتدوينه عند الشيعة بدأ منذ عصر خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله، وأنّهم سبقوا السُّنَّة في تدوين الحديث وضبط السنّة النبويّة بقرن ونصف.
وفيما يأتي كلام محمّد عجّاج الخطيب: والسُّنَّةُ لَمْ تَكُنْ قَطُّ نَتِيجَةً لِلتَّطَوُّرِ الدِّينِيّ والاجْتِمَاعِيّ لِلإسْلَامِ في القَرْنَيْنِ الأوَّلِ والثَّانِي كَمَا ادَّعى (جولد تسيهر) الذي يُضِيفُ فَيَقُولُ: ولَيْسَ صَحِيحاً مَا يُقَالُ مِنْ أنَّهُ- أي الحَدِيثِ- وَثِيقَةً لِلإسْلَامِ في عَهْدِهِ الأوَّلِ عَهْدِ الطُّفُولَةِ ولَكِنَّهُ أثَرٌ مِنْ آثَارِ جُهُودِ الإسْلَامِ في عَصْرِ النُّضُوجِ.
راجع: «نظرة عامّة في تاريخ الفقه الإسلاميّ» عن «دراسات إسلاميّة» لجولد تسيهر. كما ذكر غاستُون ويت هذا الرأي لجولد تسيهر في مقالته عن الحديث في «التاريخ العامّ للديانات» ج 4، ص 366 بالفرنسيّة.
وذكر واضعو «دائرة المعارف الإسلاميّة» قريباً من هذا القول عن جولد تسيهر في مادّة (حديث)، نقلًا عن كتابه: «دراسات إسلاميّة». ويرى أنّ السُّنّةَ من وضع المسلمين. وهذا محض افتراء سأتعرّض له في باب وضع الحديث، فليراجع.[1]
يقول محمّد عجّاج الخطيب لإثبات عمل أبي بكر بالسنّة النبويّة: ومن ذلك ما رواه الذهبيّ من مراسيل ابن أبي مليكة أنّ أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيّهم فقال: إنَّكُمْ تُحَدِّثُون عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ أحَادِيثَ تَخْتَلِفُونَ فِيهَا؛ والنَّاسُ بَعْدَكُمْ أشَدُّ اخْتِلَافاً. فَلَا تُحَدِّثُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئاً! فَمَنْ سَألَكُمْ فَقُولُوا: بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَاسْتَحِلُّوا حَلَالَهُ وحَرِّمُوا حَرَامَهُ!
ثمّ قال الحافظ الذهبيّ: يدلّك هذا أنّ مراد أبي بكر التثبّت في الأخبار والتحرّي، لا سدّ باب الرواية. ألا تراه لمّا نزل به أمر الجِدَّة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السُّنن؛ فلمّا أخبره ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر، ولم يقل: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ كما تقوله الخوارج.[2]
ونقل حكم إرث الجدّة عن الذهبيّ كالآتي: كان أبو بكر أوّل مَن احتاط في قبول الأخبار. فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أنّ الجدّة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تُوَّرث، فقال: ما أجد لكِ في كتاب الله شيئاً، وما علمتُ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر لكِ شيئاً. ثمّ سأل الناس، فقام المغيرة فقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله يعطيها السُّدُسَ. فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمّد بن مسلمة بمثل ذلك. فأنفذه لها أبو بكر.[3]
نحن لا نقدح في أنّ أبا بكر كان يمتنع غالباً من قبول السُّنَّة المحقّقة، ويقول: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، حتى يكون توجيه الذهبيّ ومحمّد عجّاج سديداً، وإنّما قدحنا في أبي بكر، وعمر، وعثمان، والمغيرة، وأبي عُبيدة الجرّاح ومن شابَهَهُم وماثَلَهُم من حيث قلّة اطّلاعهم على السُّنَّة النبويّة. لهذا كانوا يقولون عند مراجعة أحد أيّاهم: لا نعلم! وإذا كنّا لا نعلم فمرجعنا كتاب الله!
[1] «السُّنَّة قبل التدوين» هامش ص 46.
[2] «السُّنَّة قبل التدوين» ص 113، عن «تذكرة الحفّاظ» ج 1، ص 3 و4؛ وفي مقدّمة «التمهيد» ص 11، قال: قال أبو بكر: أيّاكم والكذب فإنّه مُجانب الإيمان!
[3] «السُّنَّة قبل التدوين» ص 112، عن «تذكرة الحفّاظ» ج 1، ص 3؛ و«معرفة علوم الحديث» ص 15؛ و«الكفاية» ص 26. وقد أخرجه الإمام مالك في «الموطّأ» ج 2، ص 513، كما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة.