نذكر هنا بعض موضوعاته في حقل التشيّع تحقيقاً لهدفنا في تعريف صاحبه مذهبيّاً: في ذكر المذهب الجعفريّ: أذكر ما سمعته عن المولى محمّد معصوم، والمولى محمّد مؤمن توني، والمولى إبراهيم الذين كانوا في لاهور سنة 1053، وجماعة آخرين غيرهم... إلى أن قال: وقال بعضهم: أحرق عثمان المصاحف، وأسقط بعض السُّور النازلة في فضل عليّ وآله، ومن هذه السور (و ذكر هنا السورة التي نقلها المحقّق الآشتيانيّ قدّس سرّه في كتاب «بحر الفوائد» نقلًا عن الكتاب المشار إليه)، ثمّ قال: وأصبح المولى محمّد أمين الأسترآباديّ هو المروّج للطريقة الأخباريّة في هذا العصر. وقيل عنه: إنّه توجّه إلى مكّة المعظّمة بعد تحصيل العلوم العقليّة والنقليّة، وأدرك هذا الأمر في أعقاب مقابلة الحديث وصنّف كتاب «الفوائد المدنيّة»، وذكر في «دانشنامه قطب شاهي» الذي ألّفه لمحمّد قلي قطب شاه الذي كانت له حكومة شبيهة بحكومة الإسكندر قائلًا: إعلم أنّ المطلب الأعلى والمقصد الأقصى معرفة خصائص المبدأ والمعاد... إلى أن قال: افترق الأفاضل في تحصيل هذا المقام فرقاً: ففرقة ترى أنّ تحصيله يتمّ بالفكر والنظر؛ والتزم جماعة منها بعدم مخالفة أصحاب الوحي، ويقال لهم: المتكلّمون. لذلك أسّسوا علم الكلام من وحي الأفكار العقليّة، وأطالوا الكلام في كلام ربّ العزّة. وجماعة اخرى لم تلتزم، ويقال لهم: الحكماء المشّاءون. لذلك كانوا في البداية يحذون حذو أرسطو. وعند ما أصبح أرسطو وزيراً للإسكندر، وكان يختلف إلى مقرّ الحكومة وأخذوا منه العلم.
وفرقة اخرى تذهب إلى أنّ تحصيله يتحقّق عبر الرياضات. والتزم جماعة منها بعدم مخالفة أصحاب الوحي، ويقال لهم: الصوفيّة المتشرّعون. ولم تلتزم جماعة اخرى بذلك، ويقال لهم: الحكماء الإشراقيّون. وكان أفلاطون استاذ أرسطو يتعلّم ويعلّم عن طريق الرياضات.
وفرقة ثالثة تعتقد أنّ تحصيل هذا المقام يتيسّر من خلال كلام المعصومين. وألزموا أنفسهم بالتمسّك بأحاديث المعصومين في كلّ مسألة يمكن أن يخطئ فيها العقل عادةً. ويُدعى هؤلاء: الأخباريّين.
وكان أصحاب الأئمّة عليهم السلام جميعهم قد حذوا حذوهم (حذو الأخباريّين). ونُقِل أنّ الأئمّة عليهم السلام نهوهم عن علم الكلام، وعلم اصول الفقه المدوّن من وحي العقل؛ وكذلك نهوهم عن علم الفقه المدوّن من وحي الاستنباطات الظنّيّة، لأنّ العاصم من الخطأ يقتصر على التمسّك بكلام أهل العصمة.
ولهذا وقعت اختلافات وتناقضات كثيرة في العلوم الثلاثة. كما أنّ المشاهَد والمعلوم هو أنّ النقيضين ليسا على حقّ، إذ إنّ أحدهما لا بدّ أن يكون على باطل. وقد علّم الأئمّة عليهم السلام أصحابهم علم الكلام، وعلم اصول الفقه، وعلم الفقه. وتختلف هذه العلوم الثلاثة في كثير من المسائل عن العلوم التي دوّنها العامّة. وقال أهل البيت عليهم السلام: ما كان من حقّ في العلوم الثلاثة للعامّة، فقد وصلهم مِنّا. وما كان من باطل، فقد صدر عن أذهانهم.
وكانت طريقة الأخباريّين شائعة في أواخر الغيبة الصغرى، ودامت ثلاثة وسبعين أو أربعة وسبعين عاماً حسب اختلاف الروايات. وقام أصحاب الأئمّة عليهم السلام بتدوين العلوم الثلاثة المذكورة في الكتب بعد أن أخذوها من أئمّتهم عليهم السلام، لكي يرجع إليها الشيعة في عقائدهم وأعمالهم بأمر أئمّتهم في عصر الغيبة الكبرى. وانتهت تلك الكتب إلى المتأخّرين عن طريق التواتر.
ويشتمل كتاب «الكافي» الذي ألّفه ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكُلينيّ قدّس سرّه على العلوم الثلاثة المشار إليها.
ولمّا ظهر محمّد بن أحمد الجُنيد العامل بالقياس، وحسن بن حسين بن أبي عقيل المعالي المتكلّم وتفقّها، كان التعليم في المدارس والمساجد يجري على مذهب العامّة. وقد طالعا كتبهم في الكلام والاصول لفقرهما التامّ في علمي الاصول، والكلام المنقولين عن الأئمّة. ووافقاهم في بعض مباحث الكلام والاصول، واختارا منهجاً هجيناً من مذهب الأخباريّين، ومذهب العامّة، ووضعا أساس الاجتهاد على ذلك.
وجاء بعدهما الشيخ المفيد رحمه الله أي: الشيخ أبو جعفر فوافقهما غفلةً منه وحُسنَ ظنٍّ بهما. وسلك في الكلام والاصول مذهباً يجمع بين مذهب العامّة، والأخباريّين، والاصوليّين. فانقسم علماء الإماميّة إلى أخباريّين واصوليّين، كما ذكر ذلك الشيخ جمال الدين بن المطهّر المعروف بالعلّامة الحلّيّ في بحث خبر الواحد من «النهاية». وقد صُرّح بذلك أيضاً في آخر «شرح المواقف»، وأوائل كتاب «الملل والنِّحل».
ولمّا كان الشيخ المفيد استاذَ السيِّد المرتضى علم الهُدى، وشيخ الطائفة الطوسيّ، فقد انتشر ذلك المذهب بين علماء الإماميّة، حتى وصل الدور إلى علّامة المشارق والمغارب العلّامة الحلّيّ. ولمّا كان العلّامة الحلّيّ أكثر تبحّراً من ابن الجنيد، وابن أبي عقيل، والشيخ المفيد، فقد استطاع أن يوسّع دائرة المنهج الهجين في الكتب الكلاميّة والاصوليّة، وأرسى دعائم الاجتهادات الفقهيّة على أساسه. ولمّا كانت أحاديث العامّة خالية من القرائن في باب خبر الواحد، فإنّه قسّم أحاديث كتبه وكتب الطائفة المحقّة (الشيعة) إلى أربعة أقسام مشهورة غفلة منه عن ذلك. مع أنّ عَلَم الهُدى، وشيخ الطائفة، وثقة الإسلام، وشيخنا الصدوق محمّد بن بابويه القمّيّ، وغيرهم نصّوا على أنّ الطائفة المحقّة أجمعت على صحّتها.
ثمّ جاء بعده الشيخ محمّد مكّي الشهير بالشهيد الأوّل فاقتدى بمنهجه ووضع صرح تصانيفه على أساسه. وأعقبه سلطان المدقّقين الشيخ على رحمه الله فتأسّى به. وكذلك احتذى به العالم الربّانيّ الشهيد الثاني الشيخ زين الدين العامليّ رحمه الله.
وهكذا تواترت العصور حتى وصل الدور إلى أعلم العلماء المتأخّرين في علم الحديث وعلم الرجال وأورعهم استاذ الجميع الميرزا محمّد الأسترآباديّ نوّر الله مرقده الشريف. وقد علّمني علوم الحديث جميعها وأشار عَلَيّ قائلًا: أحي مذهب الأخباريّين، وادفع الشُّبهات التي تعارضه. ولقد دار في خُلدي ذلك، لكنّ ربّ العزّة شاء أن يُجريه على قلمك.
وبعد أن أخذتُ العلوم المتعارفة كلّها من أعاظم العلماء، أقمتُ في المدينة المنوّرة عددَ سنين افكّر، وأتضرّع إلى الله تعالى، وأتوسّل بأرواح المعصومين المقدّسة. واعيد النظر في أحاديث العامّة وكتبهم، وهم مخالفو الإماميّة، وأيضاً في كتب الخاصّة، وهم الإماميّة، وذلك بتأمّل وتعمّق تامّين. إلى أن امتثلتُ أمر استاذي فألّفتُ «الفوائد المدنيّة» بتوفيق الله تعالى، وبركات سيّد المرسلين والأئمّة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وعرضتُه عليه فاستحسن تأليفه وأثنى عَلَيّ رحمه الله.
ثمّ تحدّث مؤلّف «دبستان المذاهب» قليلًا عن النوّاب الأربعة وواجبات الشيعة في عصر الغيبة. وقال بعد ذلك: من الجدير ذكره أنّ الحديث ينقسم عند الشيعة الإماميّة الاصوليّة إلى أربعة أقسام هي: الصحيح، والحسن، والموثّق، والضعيف.
وتوجّه المولى محمّد أمين إلى مكّة المعظّمة بعد تحصيل العلوم العقليّة والنقليّة والشرعيّة. وأعلن أنّ الاجتهاد لم يكن مألوفاً عند قدماء الشيعة. وأنّي أكتب ما سمعته عن امناء أسراره. ومن استزاد، فله الرجوع إلى «الفوائد المدنيّة».