تواضعه :
دخل يوماً حماماً ، فبينا هو في مكان من الحمام إذ دخل عليه جندي فأزاله عن موضعه وقال : صبّ على رأسي يا أسود ، فصب على رأسه ، فدخل من يعرفه فصاح : يا جندي هلكت ، أتستخدم ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأقبل الجندي يقبل رجليه ويقول : هلا عصيتني إذ أمرتك ! فقال : إنها لمثوبة وما أردت أن أعصيك "[1].
" ودخل الحمام فقال له بعض الناس : دلّكني يا رجل ، فجعل يدلّكه فعرفوه فجعل الرجل يعتذر منه وهو يطيب قلبه ويدلّكه "[2].
أدبه :
قال إبراهيم بن العباس : " ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا عليه السّلام ، ما جفا أحداً ولا قطع على أحد كلامه ، ولا رد أحداً عن حاجة وما مد رجليه بين يدي جليس ، ولا أتكى قبله ولا شتم مواليه ومماليكه ولا قهقه في ضحكه ، وكان يجلس على مائدة مماليكه ومواليه ، قليل النوم بالليل يحيي أكثر لياليه من أولها إلى آخرها ، كثير الصوم كثير المعروف والصدقة في السر ، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة "[3].
رأفته إلى خدمه :
وقال : " كان الرضا إذا جلس على مائدة أجلس عليها مماليكه حتى السيّاس والبواب "[4].
روى عبد الله بن الصلت عن رجل من أهل بلخ قال : " كنت مع الرضا في سفره إلى خراسان ، فدعا يوماً بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم فقلت : جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدةً فقال : مه إن الرب تبارك وتعالى واحد ، والأم واحدة ، والأب واحد ، والجزاء بالأعمال "[5].
عن ياسر الخادم ونادر قالا : " قال لنا أبو الحسن ] الرضا [ عليه السّلام إن قمت على رؤوسكم وأنتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا ولربما دعا بعضنا فيقال له هم يأكلون فيقول دعهم حتى يفرغوا "[6].
قال نادر الخادم : " كان أبو الحسن إذا أكل أحدنا لا يستخدمه حتى يفرغ من طعامه "[7].
وقال : " كان أبو الحسن يضع جوزينجة[8] على الأخرى ويناولني "[9].
قال ياسر : " كان الرضا عليه السّلام إذا خلا جمع حشمه كلهم عنده الصغير والكبير فيحدثهم ويأنس بهم ويؤنسهم ، وكان إذا جلس على المائدة لا يدع صغيراً ولا كبيراً حتى السائس والحجام إلاّ أقعده معه على مائدته "[10].
ابن السبيل عنده :
قال اليسع بن حمزة : " كنت في مجلس أبي الحسن الرضا عليه السّلام أحدثه وقد اجتمع اليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام ، إذ دخل عليه رجلٌ طوال آدم فقال : السلام عليك يا ابن رسول الله ، رجل من محبيك ومحبي آبائك وأجدادك ، مصدري من الحج وقد افتقدت نفقتي ، وما معي ما أبلغ مرحلة ، فان رأيت إن تنهضني إلى بلدي ولله علي نعمة ، فإذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة فقال له : اجلس رحمك الله وأقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا ، وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وأنا فقال : أتأذنون لي في الدخول ؟ فقال له سليمان : قدم الله أمرك فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة ثم خرج ورد الباب وأخرج يده من أعلى الباب وقال : أين الخراساني ؟ فقال : ها أنا ذا ، فقال : خذ هذه المائتي دينار واستعن بها في مؤنتك ونفقتك وتبرك بها ولا تصدق بها عني ، وأخرج فلا أراك ولا تراني ، ثم خرج ، فقال له سليمان : جعلت فداك ، لقد أجزلت ورحمت فلماذا سترت وجهك عنه ؟ فقال : مخافة أن أرى ذلك السؤال في وجهه لقضائي حاجته ، أما سمعت حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله : " المستتر بالحسنة يعدل سبعين حجة والمذيع بالسيئة مخذول والمستتر بها مغفور له " أما سمعت قول الأوّل .
متى آته يوماً لأطلب حاجة * رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه[11]
اطعامه الفقراء :
قال معمر بن خلاّد : " كان أبو الحسن الرضا عليه السّلام إذا أكل أُتي بصحفة فتوضع قرب مائدته ، فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كل شئ شيئاً فيوضع في تلك الصحفة ، ثم يتلو هذه الآية ( فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) ثم يقول : علم الله عزّوجل إن ليس كل انسان يقدر على عتق رقبة ، فجعل لهم سبيلا إلى الجنة باطعام الطعام "[12].
مقاطعة الأجير أجرته :
قال سليمان بن جعفر الجعفري : " كنت مع الرضا عليه السّلام في بعض الحاجة فأردت أن أنصرف إلى منزلي ، فقال لي : انصرف معي فبت عندي الليلة فانطلقت معه ، فدخل إلى داره مع المعتب ، فنظر إلى غلمانه يعملون بالطين أوارى الدواب وغير ذلك ، وإذا معهم أسود ليس منهم ، فقال : ما هذا الرجل معكم ؟
فقالوا : يعاوننا ونعطيه شيئاً ، قال : قاطعتموه على أجرته ؟ فقالوا : لا ، هو يرضى منا بما نعطيه ، فغضب لذلك غضباً شديداً ، فقلت : جعلت فداك لم تدخل على نفسك ؟ فقال : إني قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرّة أن يعمل معهم أحد حتى يقاطعوه أجرته ، واعلم أنّه ما من أحد يعمل لك شيئاً بغير مقاطعة ثم زدته لذلك الشئ ثلاثة أضعاف على أجرته إلاّ ظن أنك قد نقصته أجرته ، وإذا قاطعته ثم أعطيته أجرته حمدك على الوفاء فان زدته عرف ذلك لك ورأى أنك قد زدته "[13].
لباسه وفراشه :
قال محمّد بن عباد : " كان جلوس الرضا عليه السّلام على حصير في الصيف وعلى مسح في الشتاء ، ولبسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزيّن .
ولقيه سفيان الثوري في ثوب خز فقال : " يا ابن رسول الله لو لبست ثوباً أدنى من هذا ! فقال : هات يدك ، فأخذ بيده وادخل كمه فإذا تحت ذلك مسح فقال : يا سفيان ، الخز للخلق والمسح للحق "[14].
[1] نور الأبصار للشبلنجي ص 178 .
[2] المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 362 .
[5] بحار الأنوار ج 49 ص 101 رقم 18 .
[6] الفروع من الكافي ج 6 ص 298 رقم 10 كتاب الأطعمة باب النوادر .
[8] معرب جوزينة ، وهي ما يعمل من السكر والجوز .
[9] الفروع من الكافي ج 6 ص 298 .
[10] الفروع من الكافي ج 6 ص 298 .
[11] الفروع من الكافي ج 4 ص 23 ، ورواه ابن شهرآشوب في المناقب ج 4 ص 361 مع اختلاف في الألفاظ .
[12] المحاسن للشيخ البرقي ، كتاب المآكل باب الإطعام ص 392 رقم 39 .
[13] الفروع من الكافي ج 5 كتاب الأطعمة ص 288 رقم 1 .
[14] المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 360 .