بلغ سلام الله عليه في العلم والعقل والكمال والفضل والآداب والحكم ورفعة المنزلة ما لم يساوه أحد من أهل زمانه . وكيف لا ، هو من الأئمة الذين جعلهم الله ولاة أمره وخزنة علمه . قال جده أبو جعفر الباقر عليه السّلام : " والله إنّا لخزّان الله في سمائه وأرضه لا على ذهب ولا على فضة إلاّ على علمه "[1].
وهو من الراسخين في العلم الذين تحدّث عنهم أبو عبد الله الصادق عليه السّلام فقال : " نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله "[2].
وهو من الذين لولاهم ما عبد الله ، وهم الذين دعوا العباد إلى توحيده وطاعته ، وفيهم يقول أبو الحسن موسى بن جعفر " قال أبو عبد الله إن الله عزّوجل خلقنا فأحسن خلقنا وصوّرنا فأحسن صورنا وجعلنا خزانه في سمائه وأرضه ، ولنا نطقت الشجرة ، وبعبادتنا عبد الله عزّوجل ، ولولانا ما عبد الله "[3].
وهو من الذين جعلهم الله خلفاءه في أرضه حيث قال أبو الحسن الرضا : " الأئمة خلفاء الله عزّوجل في أرضه " [4].
قال الشيخ حسين بن عبد الوهاب - من علماء القرن الخامس - " لما قبض الرضا عليه السّلام كان سنّ أبي جعفر نحو سبع سنين ، فاختلفت الكلمة من الناس ببغداد وفي الأمصار ، واجتمع الريّان بن الصلت وصفوان بن يحيى ، ومحمّد بن حكيم ، وعبد الرحمان بن الحجاج ويونس بن عبد الرحمان وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمان بن الحجاج في بركة زلول يبكون ويتوجعون من المصيبة ، فقال لهم يونس بن عبد الرحمان : دعوا البكاء ، من لهذا الأمر ؟ وإلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا ؟ يعني أبا جعفر عليه السّلام .
فقام اليه الريّان بن الصلت ، ووضع يده في حلقه ، ولم يزل يلطمه ، ويقول له :
أنت تظهر الايمان لنا وتبطن الشك والشرك ، إن كان أمره من الله جل وعلا فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه ، وإن لم يكن من عند الله فلو عمّر ألف سنة فهو واحدٌ من الناس ، هذا مما ينبغي أن يفكّر فيه ، فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبّخه . وكان وقت الموسم ، فاجتمع من فقهاء بغداد والأمصار وعلمائهم ثمانون رجلا ، فخرجوا إلى الحج وقصدوا المدينة ليشاهدوا أبا جعفر ، فلما وافوا أتوا دار جعفر الصادق عليه السّلام لأنها كانت فارغة ودخلوها وجلسوا على بساط كبير وخرج إليهم عبد الله بن موسى فجلس في صدر المجلس وقام مناد وقال : هذا ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فمن أراد السؤال فليسأله ، فسئل عن أشياء أجاب عنها بغير الواجب فورد على الشيعة ما حيّرهم وغمّهم واضطربت الفقهاء وقاموا وهمّوا بالانصراف وقالوا في أنفسهم : لو كان أبو جعفر عليه السّلام يكمل جواب المسائل لما كان من عبد الله ما كان ومن الجواب بغير الجواب . ففتح عليهم باب من صدر المجلس ودخل موفّق وقال : هذا أبو جعفر ، فقاموا اليه بأجمعهم واستقبلوه وسلموا عليه .
فدخل وعليه قميصان وعمامة بذؤابتين وفي رجليه نعلان وجلس وأمسك الناس كلهم ، فقام صاحب المسألة فسأله عن مسائله فأجاب عنها بالحق ففرحوا ودعوا له وأثنوا عليه وقالوا له : إن عمك عبد الله أفتى بكيت وكيت ، فقال : لا إله إلاّ الله ، يا عمّ انه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يديه فيقول لك : لم تفتي عبادي بما لم تعلم ، وفي الأمة من هو أعلم منك ؟ . . . "[5].
قال ابن شهرآشوب : " لما مضى الرضا عليه السّلام جاء محمّد بن جمهور العمي ، والحسن بن راشد ، وعلي بن مدرك ، وعلي بن مهزيار ، وخلق كثير من سائر البلدان إلى المدينة وسألوا عن الخلف بعد الرضا فقالوا ب " صريّا " وهي قرية أسّسها موسى بن جعفر عليه السّلام على ثلاثة أميال من المدينة فجئنا ودخلنا القصر فإذا الناس فيه متكابسون فجلسنا معهم ، إذ خرج علينا عبد الله بن موسى وهو شيخ فقال الناس : هذا صاحبنا ، فقال الفقهاء : قد روينا عن أبي جعفر وأبي عبد الله أنه لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين وليس هذا صاحبنا ، فجاء حتى جلس في صدر المجلس فقال رجل : ما تقول أعزّك الله في رجل أتى حماراً فقال : تقطع يده ويضرب الحدّ وينفى من الأرض سنة ثم قام اليه آخر ، فقال : ما تقول أصلحك الله في رجل طلّق امرأته عدد نجوم السماء ؟ قال : بانت منه بصدر الجوزاء والنسر الطائر والنسر الواقع ، فتحيّرنا في جرأته على الخطأ ، إذ خرج علينا أبو جعفر وهو ابن ثمان سنين ، فقمنا اليه فسلّم على الناس وقام عبد الله بن موسى من مجلسه ، فجلس بين يديه وجلس أبو جعفر في صدر المجلس ثم قال : سلوا رحمكم الله .
فقام اليه الرجل الأول وقال : ما تقول أصلحك الله في رجل أتى حمارة ؟ قال : يضرب دون الحد ويقوم ثمنها ويحرم ظهرها ونتاجها وتخرج إلى البريّة حتى تأتي عليها منيتها سبع أكلها ذئبٌ أكلها . ثم قال بعد كلام : يا هذا ، ذلك الرجل ينبش عن ميتة فيسرق كفنها ويفجر بها يوجب عليه القطع بالسرقة والحدّ بالزنا والنفي إذا كان عزباً ، فلو كان محصناً لوجب عليه القتل والرجم .
فقال الرجل الثاني : يا ابن رسول الله ، ما تقول في رجل طلّق امرأته عدد نجوم السماء ؟ قال : تقرأ القرآن ؟ قال : نعم ، قال : إقرأ سورة الطلاق إلى قوله ( وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ) يا هذا ، لا طلاق إلاّ بخمس : شهادة شاهدين عدلين ، في طهر من غير جماع ، بإرادة عزم ، ثم قال بعد كلام : يا هذا هل ترى في القرآن عدد نجوم السماء ؟ قال : لا "[6].
وفي رواية البحراني : " قام اليه صاحب المسألة الأولى فقال : يا ابن رسول الله ما تقول في من قال لامرأته أنت طالق بعدد نجوم السماء ؟ فقال له : يا هذا اقرأ كتاب الله قال الله تبارك وتعالى ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان )[7] في الثالثة ، قال : فان عمّك أفتاني بكيت وكيت فقال : يا عم ، اتق الله ولا تفت وفي الأمة من هو أعلم منك .
فقام اليه صاحب المسألة الثانية فقال : يا ابن رسول الله رجل أتى بهيمة فقال : يعزّر ويحمى ظهر البهيمة وتخرج من البلد لا يبقى على الرجل عارها فقال : عمّك أفتاني بكيت وكيت ، فالتفت وقال بأعلى صوته لا إله إلاّ الله ، يا عبد الله انه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يدي الله فيقول الله لك : لم أفتيت عبادي بما لا تعلم وفي الأمة من هو أعلم منك ، فقال عبد الله بن موسى : رأيت أخي الرضا وقد أجاب في هذه المسألة بهذا الجواب ، فقال له أبو جعفر عليه السّلام : انما سئل الرضا عليه السّلام عن نبّاش نبش امرأة ففجر بها وأخذ ثيابها فأفتى بقطعه للسرقة ، وجلده للزنا ، ونفيه للمثلة "[8].
وروى الحسين بن عبد الوهاب عن عمر بن فرج الرخجي[9] " قال : قلت لأبي جعفر : إن شيعتك تدّعي إنك تعلم كل ماء في دجلة ووزنه ؟ وكنا على شاطئ دجلة فقال عليه السّلام لي : يقدر الله تعالى إن يفوّض علم ذلك إلى بعوضة منخلقة أم لا ؟ قلت : نعم يقدر . فقال : أنا أكرم على الله تعالى من بعوضة ومن أكثر خلقه "[10].
قال الحافظ البرسي : " روي عنه أنه جيء به إلى مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد موت أبيه الرضا عليه السّلام وهو طفل ، فجاء إلى المنبر ورقي منه درجة ، ثم نطق فقال : أنا محمّد بن علي الرضا أنا الجواد ، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب ، أنا أعلم بسرائركم فظواهركم وما أنتم صائرون اليه ، علم منحنا به من قبل خالق الخلق أجمعين وبعد فناء السماوات والأرضين ، ولولا تظاهر أهل الباطل ودولة أهل الضلال ووثوب أهل الشكّ لقلت قولا تعجب منه الأولون والآخرون ، ثم وضع يده الشريفة على فيه وقال : يا محمّد اصمت كما صمت آباؤك من قبل "[11].
روى الطبري الإمامي بإسناده عن أبي جعفر الشلمغاني ، قال : " حجّ إسحاق بن إسماعيل في السنة التي خرجت الجماعة إلى أبي جعفر ، قال إسحاق : فأعددت له في رقعة عشر مسائل لأسأله عنها ، وكان لي حمل فقلت إذا أجابني عن مسائلي سألته إن يدعو الله لي أن يجعله ذكراً ، فلمّا سأله الناس قمت والرقعة معي لأسأله عن مسائلي فلمّا نظر إليّ قال : يا أبا يعقوب سمّه أحمد . فولد لي ذكر وسمّيته أحمد فعاش مدة ومات "[12].
قال الشيخ محمود الشيخاني : " وقع لبعض الخلفاء أنه لما مرض نذر على نفسه إن وهب الله له العافية إن يتصدق بمال كثير مبهماً ، فعوفي ، فأحضر الفقهاء واستفتاهم عن مقدار مال كثير ، فكلٌّ قال شيئاً فقال محمّد الجواد : إن كنت نويت الدنانير فتصدق بثمانين ديناراً ، أو الدراهم ، فتصدق بثمانين درهماً ، فقال الفقهاء : ما نعرف هذا في الكتاب ولا السنّة ، فقال محمّد الجواد : بلى قال الله تعالى ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة )[13] والنصر من أقسام العافية ، فعدّوا وقايع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فإذا هي ثمانون "[14].
[1] أصول الكافي كتاب الحجّة ج 1 148 الرق 2 .
[2] المصدر ص 166 الرقم 1 .
[3] الكافي ج 1 ص 149 الرقم 6 .
[5] عيون المعجزات ص 108 .
[8] حلية الأبرار ج 2 ص 401 .
[9] عمر بن فرج الرخجي : اشتهر بالنصب والبغض لعلي بن أبي طالب وأهل البيت عليهم السلام ( مقاتل الطالبين ) .
[10] عيون المعجزات ص 113 .
[11] مشارق أنوار اليقين ص 98 .
[12] دلائل الإمامة ص 212 .
[14] الصراط السوي في مناقب آل النبي ص 406 .