لا يتمكن الإنسان المفكر من العيش بلا عقيدة ، حتى أولئك الذين يضفون على منهجهم طابع الإلحاد ، ويرفعون عقيرتهم بشعار اللّادينية ، لا يتمكنون من العيش بلا عقيدة في تفسير الكون والحياة. وإليك نظرية الدّين لواقع الكون والحياة.
إنّ الدين يفسر واقع الكون وجميع الأنظمة المادية بأنها إبداع موجود عال قام بخلق المادة وتصويرها وتحديدها بقوانين وحدود ، وقد أخضعه لنظام دقيق ، فالجاعل غير المجعول ، والمعطي غير الآخذ.
كما أنّه يفسر الحياة الإنسانية بأنها لم تظهر على صفحة الكون عبثا ولم يخلق الإنسان سدى ، بل لتكوّنه في هذا الكوكب غاية عليا يصل إليها في ظل تعاليم الأنبياء والهداة المبعوثين من جانب الخالق إلى هداية مخلوقه.
هذا هو تفسير الدين لواقع الكون سر الحياة ، غير أنّ المادّي يحاول تفسير الكون بشكل مغاير ، وهو يقول:
إنّ المادة الأولى قديمة بالذات وهي التي قامت فأعطت لنفسها نظما ، وأنّه لا غاية لها ، ولا للإنسان القاطن فيها.
وبعبارة أخرى ، إنّ للكون في نظرية الإنسان الإلهي بداية ونهاية ، فإنّ نشوءه من الله سبحانه ، كما أنّ نهايته ـ باسم المعاد ـ إلى الله تعالى.
غير أنّ الكون في نظرية الإنسان المادي فاقد للبداية والنهاية ، بمعنى أنّه لا يتمكن من ترسيم بدايته ، وأنّه كيف تحقق وتكوّن ووجد؟ بل كلّما سألته يجيبك : ب «لا أدري». كما أنّه لا يتمكن من تفسير نهايته وغايته ، ولو سألته عن ذلك لأجابك ب «لا أعلم». فهذا العالم عند الفيلسوف المادي أشبه بكتاب مخطوط مخروم قد سقطت من أوله وآخره أوراق مما أدخله في إطار الإبهام ، فلا يقف الإنسان على بدئه ولا على ختامه فالفيلسوف المادّي جاهل ببدء العالم وختامه وليس له هنا جواب سوى «لا أدري».
وبعبارة ثالثة : لم تزل الأسئلة الثلاثة التالية عالقة بذهن الإنسان منذ أن عرف يمينه من يساره ، وهي :
1 ـ إنّه من أين؟
2 ـ وإلى أين؟
3 ـ ولما ذا خلق؟.
وهذه الأسئلة الثلاثة يجيب عنها الفيلسوف الإلهي بأجوبة رصينة تتضح من خلال هذه الرسالة ، وإجمالها أنّ البداية من الله ، وأنّ نهاية المطاف هي الله سبحانه (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) (1) ، وأنّ الغاية هي التخلّق بالقيم والمثل الأخلاقية والاتصاف بأسمائه وصفاته سبحانه. غير أنّ المادي يكلّ عند الإجابة عن هذه الأسئلة ولا يأتي بشيء مقنع.
وعلى هذا الأساس قلنا إنّ للدّين دورا في تصحيح الأفكار والعقائد. ومن خلال المقارنة بين الفكر الإلهي والمنهج المادي في الإجابة على الأسئلة الثلاثة يعلم الإنسان أنّ التكامل الفكري إنما يتحقق في ظل الدين ، لأنه يكشف آفاقا وسيعة أمام عقليته وتفكيره ، في حين أنّ المادي يملأ الذهن بالجهل والإبهام ، بل يقوده إلى الخرافات. إذ كيف يمكن للمادة أن تمنح نفسها نظما؟ وهل يمكن أن تتّحد العلّة والمعلول ، والفاعل والمفعول ، والجاعل والمجعول؟
_____________
(1) سورة البقرة الآية 156.