قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) (1).
لمّا أمر سبحانه بالتوجه إلى القبلة ـ وربما أوهم ذلك أنّ الله في مكان يستقر فيه ـ دفعه سبحانه بقوله : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) أي لا يخلو مكان عن ذاته ووجوده.
فالمراد من الوجه هنا هو الذات ، قال ابن فارس : «وربما عبّر عن الذات بالوجه قال:
أستغفر الله ذنبا لست محصيه
ربّ العباد إليه الوجه والعمل» (2).
ولا ينحصر تفسير الوجه بالذات بهذه الآية بل هو كذلك في الآيتين التاليتين :
1 ـ قوله سبحانه : (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (3).
2 ـ وقوله سبحانه : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (4).
والدليل على أنّ الوجه في هاتين الآيتين بمعنى الذات ، لا العضو المخصوص ، واضح.
أمّا الآية الأولى ، فلأنّه سبحانه بصدد بيان أنّ كل شيء يهلك ويفنى إلّا نفسه وذاته. وهذا لا يصحّ إلّا أن يكون المراد من الوجه هو الذات لا العضو المخصوص.
وأمّا الآية الثانية ، فلأنّه وصف الوجه بقوله : (ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) ، بمعنى ذو الطّول والإنعام وما يقاربه. ومن المعلوم أنهما من صفات نفس الربّ لا من صفات الوجه ، أعني الجزء من الكل. ولو كان الوجه هنا ، بمعنى العضو المخصوص لوجب أن يقول : «ذي الجلال والإكرام» حتى يقع وصفا للربّ لا للوجه.
ويشهد على ذلك قوله سبحانه : (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (5). فلما كان الاسم غير المسمى وصف الرب بقوله «ذي الجلال» ، ولم يصف الاسم به وإلّا لقال «ذو الجلال».
فإذا تبين أنّ الوجه في هذه الآيات بمعنى الذات ، أفهل يجتمع قوله (فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) مع كونه جسما محددا في جهة خاصة وموجودا فوق العرش ، متمكنا فيه أو جالسا عليه ، وما أشبه ذلك ممّا يوجد في كلمات المجسّمة ومن هو منهم ، وإن كان يتبرأ من وصفه بالتجسيم.
____________
(1) سورة البقرة : الآية 115.
(2) المقاييس ، ج 6 ، ص 88 ، مادة «وجه». وغيره من المعاجم.
(3) سورة القصص : الآية 88.
(4) سورة الرحمن : الآية 27.
(5) سورة الرحمن : الآية 78.