كل الناس، كباراً وصغاراً يغضبون لسبب من الأسباب بين حين وآخر. ولكن الشخص الذي لا يتعلم كيفية التحكم بنزواته منذ الصغر، يقضي بقية عمره عاملاً على قطع علاقاته مع الناس وإلحاق الأذى بمشاعر الأصدقاء وإغضاب من يعايشه.
ان الغضب هو من العواطف الطبيعية التي لا سبيل الى صدها، اذ أن الجيشان العاطفي وتفجر الغضب هو إحدى وسائل التعبير عن مشاعر الاستنكار والإحباط وتدريب الأطفال على التحكم بغضبهم، ليس عملاً سهلاً، ولكن الفوائد والمزايا التي يحصل عليها الطفل من جراء هذا التدريب، كثيرة ولا يحدها حصر.
والحقيقة الاساسية التي ينبغي أن يضعها الوالدان نصب عينيهما، هي أن الغضب يجر على الغضبان نتائج عكسية. وحتى الأطفال الصغار لا يسلمون من الشعور بشيء من الضياع وللأسف عندما تنفلت من قبضتهم آلية التحكم بعواطفهم والاستسلام لغضبهم.
لذلك، فإن من أولويات تربية الطفل تدريبه على كيفية كبت شعوره بالغضب، وعلى أن يبوح بما يعتمل في دخيلة نفسه من مشاعر غاضبة لكي يصار الى حلها وإيجاد الوسائل اللازمة لتبديدها.
والوالدان عندما يفهمان أسباب غضب طفلهما، فإنهما يصبحان أقدر على مساعدته في التحكم بمشاعره.
وقد تكون الأسباب التالية أهم العوامل التي تسهم في إغضاب الطفل:
الخصال الموروثة: إن عدد نوبات ثورة الطفل، والمدى الذي يبلغه في غضبه، تقررهما إلى حد كبير شخصية الطفل.
وقد وضع أحد الخبراء النفسيين خمسة اشكال لهذه الشخصية:
- الطفل الشديد الحساسية.
ـ الطفل المستغرق في تقدير ذاته.
- الطفل المتحّدي.
- الطفل القليل الانتباه.
- الطفل المفرط النشاط.
وكل شكل من هذه الأشكال، يمكن أن يكون جزءاً من شخصية سليمة من حيث تطورها، ولكن في الحالات القصوى يمكن أن تتحول تلك الشخصية الى حال من التحدي.
ودور الوالدين في ذلك، هو أنه إذا ما فهما شخصية طفلهما، صار بوسعهما تحويل ذلك التحدي الى قوة.
إن الطفل المتوتر الأعصاب يمكن أن يغضب لأسباب قد يراها غيره تافهة لا أهمية لها. وعلى الوالدين تخصيص مزيد من الوقت في مساعدة طفلهما على فهم البدائل الأخرى للتعبير عن عواطفه بدون اللجوء الى الغضب والثورة.
مراحل التطور: عندما يصلب عود الصغير ويصير في خضم حالة تقتضيه أن يخطو خطوة واسعة نحو التطور الجسماني أو الاجتماعي، فإنه قد يكون عندها عرضة للتنفيس عن مشاعره الحبيسة بصورة أعنف. اذ أن لكل مرحلة من مراحل عمر الانسان (الزناد القادح للغضب) أي أن الطفل الدارج قد يغضب إذا حرمته أمه من طبق الفواكه، ولكنه عندما يبلغ العاشرة من عمره فان مثل هذا الحرمان قد لا يهمه في كثير أو قليل، لأنه يصبح أكثر انضباطا.
الذكورة والأنوثة: الصبيان بوجه عام أسرع من البنات تعبير عن غضبهم. وقد يكون لهذا الاختلاف تفسير ثقافي. اذ ان الوالدين والمعلمين هم أكثر توقعا لثورة الصبي دون البنت لذلك فهم أكثر التماسا للأعذار عن مواجهة عاطفة غضب الصبي، وهم في الوقت نفسه أكثر تقبلا لمنظر البنت التي تعبر عن غضبها بذرف الدموع.
ولكن الأطفال من كلا الجنسين الذكر والانثى في حاجة لأن يتعلّما كيفية التحكم بعواطفهما بعيدا عن العنف والتلاعب بالعواطف.
الحياة الأسرية: إن الطفل الذي يضطرب بسبب حادث عائلي عنيف مثل الطلاق، أو المرض، أو الوفاة، أو ولادة طفل آخر، أو تغيير المسكن، وما الى ذلك من احداث عنيفة، هذا الطفل غالبا ما يخفي اضطرابه وقلقه تحت ستار من غضب. فهو إذ يشعر في مثل هذه الأحوال بأنه قد تأذى، فإنه قد يحاول عن طريق إبداء الغضب أن يرد الأذى ومهما تكن الوسائل التي يلجأ اليها الطفل في التعبير عن اضطرابه كإطلاق نكتة لاذعة أو الاعتداء على شقيقته، فان طريقة التعبير تعتمد الى حد ما على الأشكال المعمول بها في أسرته للتعبير عن الغضب.
ويتجلى ذلك بشكل خاص في الأسر التي يعبر فيها عن الغضب بالصياح والسلوك العدائي مثل صفق الابواب بعنف أو تحطيم الاطباق والادوات المنزلية. ومقابل ذلك توجد أسر أكثر تحفظاً، وتختلف لدى أفرادها أشكال التعبير عن شتى الانفعالات. وفي محيط هذه الأسر المتحفظة يعتبر الغضب جريمة من الجرائم والأطفال يقلدون ما يشاهدونه يحدث في محيط أسرهم.
ولما كان العمر يلعب دورا في تحديد كيفية تجاوب الطفل في الأحداث والناس، فإننا نورد في ما يلي بعض المقترحات حول كيفية تعليم الصغار كيف يتحكمون بغضبهم في شتى مراحل تطورهم.
غضب الطفل: الطفل الصغير يهتاج ويغضب إذا لم تلب حاجاته البدنية فورا مثل تغيير الفوطة المبتلة. وكذلك يعبر الطفل الصغير عن تعبه الشديد وجوعه وخوفه وإحباطه بإبداء حركات مضطربة بيديه ورجليه وبالبكاء والصراخ.
وبعض الأطفال الصغار لا يهدؤون إلا بعد حملهم ومعانقتهم عناقاً خفيفاً أو شديدا، حتى ولو قاوموا ذلك في أول الأمر، كما أن الأم بوسعها أن تساعد على تهدئة طفلها الصغير بمناغاته والتظاهر بالتحدث اليه بصوت خفيض. كما أن هنالك أطفالاً يهدؤون عند تحويل انتباههم الى نشاط جديد، ناهيك بتهدئة الطفل عن طريق النوم.
الشيء المهم هنا هو ألا يقابل الشخص الكبير غضب قرينه بغضب مثله لأن ذلك يخيف الطفل ويجعله يظن في (سره) أنه إذا كان والداه لا يستطيعان الهدوء والاستقرار فأنى له أن يستطيع ذلك!؟
وهناك شيء مهم آخر تستطيع الأم فعله في هذه الحالة، وهو ألا تسمح لطفلها بأن يستمرئ طعم الغضب أو تسمح له به في بعض الأوقات. وطريقة مكافحة غضب الطفل في مثل هذا الوضع هي تجاهله وعزله وجعله يفهم بأن غضبه يؤدي الى اختفاء أمه، بدلاً من أن يخيل له بأنه يستطيع العودة الى السعادة والهناء بعد غضبه بدون أن يدفع الثمن.
الطفل المحبط: تتباين حاجات الطفل المباشرة تبعا لسنه. وهو عندما يتعلم المشي ويأخذ في التنقل بين غرفة وأخرى، قد يروق له الحصول على شيء من الأدوات التي تروق في عين طفل آخر في مثل سنه.
ان (منافسة) كهذه غالباً ما تسبب الإحباط، فالغضب للطفل، في سن ما قبل الذهاب الى المدرسة.
ومن الأسباب الأخرى المهيجة للطفل في هذه السن، الجوع أو الإنهاك، أو الخوف، أو الإحساس بالعجز الحركي، أو انعدام المقدرة على التفوه بالكلمات المعبّرة عن شعوره او مبادرة شخص كبير الى اداء عمل ما يريد الطفل أداءه شخصياً!
عندما يغضب الطفل الحديث العهد بالمشي، فإن على الوالدين اللجوء الى طريقة (الإصغاء الفاعل) وهذا يعني محاولة الاستماع الى شكواه والتعاطف معه، كأن تقول له أمه أو يقول له أبوه ألاحظ أن هناك مشكلة ما تصادفك، وتبدو غاضباً بسببها هيا أخبرني ما هي؟ إن هذه الطريقة في التجاوب تتيح للطفل أو الطفلة فرصة فهم نفسهما فهما أفضل ويجب على الوالدين أن يدخلا في روع طفلهما أنه لا بأس في أن يغضب الشخص، ولكن لا يجوز أن يجرّ غضبه الى إيذاء غيره أو العبث بأموره.
وبعد أن يستنفذ الوالدان وسائل التهدئة و(الاقناع) بدون أي تأثير لذلك على الطفل، فيعمد رغم كل المحاولات الى الصراخ، فعندها يحبذ ترك الطفل وتجاهله لبضع دقائق وعدم التجاوب معه وجعله يفهم أن غضبه لن يتحكم في تصرفات أمه وأبيه. فإذا استمر غضب الطفل بلا رادع بعد ذلك بثلاث دقائق مثلا فعلى الأم أن تواجه غضبه بحرمانه من نزهة كان يتوق اليها، وما الى ذلك من وسائل المحاسبة والمنع.
الأطفال الصداميون بالمدرسة: الأطفال بين العام السادس والثاني عشر من حياتهم يرغبون في الحصول على تقبل اقرانهم لهم. وكثيرا ما يكون غضب الطفل (الكبير) تجاوباً مع إحساسه بالعزلة عنه، ولما كان جميع الأطفال والصغار في هذا العمر يريدون أن يبدوا في نظر الناس بأنهم واثقون بأنفسهم وقادرون على أداء الأعمال، فإنهم كثيرا ما يقعون فريسة الظن بأن من الضروري لهم أن يكونوا الرابحين في كل منافسة أو خصومة، وهذا قد يجر الى تلاسن بالألقاب والعدوان الكلامي الذي يكون باعثا على الدهشة بسبب قسوته أحياناً.
ومن واجب الوالدين أن يوضحا لصغيرهما بأن الصغير إذا غضب حتى لو كان طفلا، فإن الخيار يبقى بيده لأن يرد على غيره ردا ملائماً، وعليهما أن يقولا لصغيرهما أنه من غير المقبول أن يفقد سيطرته على اعصابه أو أن يمارس عدوانا جسديا أو أن يتفوه بكلمات نابية.
وبوسع الوالدين تعليم طفلهما على كيفية التنفيس عن توتره بطريقة جسمانية ولكن خالية من العنف.
غضب المراهقين: إن جانباً كبيراً من غضب المراهقين يكون مركزاً على حاجة الوالدين في حماية صغيرهما عن طريق تبطيء اندفاعه نحو الاستقلال. وأهم شيء في حياة المراهقين هو العمل على الاندماج مع الأقران، لذلك فإن على الوالدين أن يحترما هذه الرغبة، وأن يتجنبا التدخل في أيسر الأمور كلون القميص أو البنطلون أو تسريحة الشعر، لأن مثل هذا التدخل يزيد من حرارة الأتون المشتعل. وينصح الخبراء الوالدين بأن يعاملا صغارهما في هذه السن بروح من الدعاية وأن يتخليا عن الدافع الذي يدفعهما الى فرض الإشراف الكامل على الصغير، ولكن بدون التخلي عن عنصري الإجازة أو المنع من المزايا عند إقدام الصغير على خرق القوانين المنزلية. ويجب أن تشمل هذه القوانين اللياقة في المعاملة واحترام الأفراد بعضهم بعضاً: لا صراخ، ولا عنف ولا تبادل للإهانات.